
سِفْرُ الجسد …
سِفْرُ الجسد
في الجهة الّتي لا تُسمَّى
مرّ بي نداء شفيف
فأنسلَّ منّي اسمي
رأيتُني أتنحّى عن نفسي
والرّوح كيوم القيامة
تتخفّفُ من ثقلي
وتراءت السّماء تنحني داخلي
كأنّها تتعلّم كيف تسكن امرأة
لا تُشبه الأرض
والهواء يفيض بلبن الغيب
والمدن تمرّ في دمي
بلا إقامة
هجرت طينها الأوّل
تجلّت في حُلم نبويّ
تسرّب بين مجرّتين
في عبور معراجيّ
غبتُ عنّي
انمحى الظلّ
بين مرايا الكشف
وأتلمّسُ جسدي
كما تتلمّس ناسكة مدار معبد مهجور
وأقرأُ على جلدي
تواريخ الخسارات الأولى
خرائط القبلات المنسيّة
والعوالم الّتي عبرتني
كأنّها غزاة عابرون
هذا الجسد لم يكن جسدا
كان سجلًّا فلكيّا
تُدوّن عليه النّجوم
مواقيت التّلاشي
في كتفي
نام حصان ” جلجاش ” طويلا
وفي دمي
كانت ” عشتار ”
تغسل قمرها بالنّبيذ
أمّا قلبي
فكان مئذنة تٰميدُ للنّور
يؤذّن فيها عاشق لا يرى
لكنّه يسمع ارتجاف الوجود
أدرك الآن
أنّ الحبّ ليس نجاة
بل طريقة أخرى للاحتراق
وانّ الأرواح حين تتعب
تجلس قرب الله
كما يجلس طفل قرب نهر
لحظات الطّواف داخلي
كنت أدور حول نفسي
كما يدور كوكب جريح
حول شمس لا تراه
ويهبط الكون إليّ
على هيئة امرأة
تفكّ ضفائر اللّيل
وتقول :
” لا تخافي من اتّساعك ”
والنّجوم أيضا بدأت من عتمة
ثمّ رأيت الأنبياء
يعبرون داخلي
واحدا واحدا
كأنّ قلبي باب قديم بلا قفل
رأيت يوسف
يمشّط حزن الآبار
ومريم
تُخيط للرّيح ثوبًا من الصّبر
رايتُ الحلاّج
يُعلّق صوته
على شرفة الرّوح
كقنديل أخير
أمّا أنا
فكنت أقلّ من صلاة
وأكثر من شهقة
كنت امرأة
تتعلّم كيف تصير مجرّة
وكيف تُصالح جسدها والسرّ
لهذا حين تموّج النّور داخلي
شعرت أنّ الكون كلّه
يسجد لحظة في قلبي
منية نعيمة جلال
تونس











