
السِّيرَةُ الذَّاتِيَّةُ لِلْهاوِيَةِ
السِّيرَةُ الذَّاتِيَّةُ لِلْهاوِيَةِ
رياض عبد الواحد
لَمْ أُولَدْ تَحْتَ الأَرْضِ
وَلَمْ أَكُنْ شَقًّا فِي جَبَلٍ
وَلَا فَمًا لِبُرْكانٍ
وَلَا حُفْرَةً أَخْطَأَتْها الخَرائِطُ
وُلِدْتُ يَوْمَ تَعَلَّمَ الإِنْسانُ أَنْ يَخْلَعَ ضَمِيرَهُ
من دُونَ أَنْ يَخْلَعَ ثِيابَهُ
يَوْمَ اكْتَشَفَ أَنَّ القِناعَ أَكْثَرُ رِبْحًا مِنَ الوَجْهِ
مُنْذُ ذٰلِكَ الوَقْتِ
صِرْتُ أَكْبَرَ مِنَ الجُغْرافِيا
وَأَعْمَقَ مِنْ كُلِّ البِحارِ
لِأَنَّ الأَرْضَ تَنْتَهِي
وَأَنَا لَا أَنْتَهِي
لَا تَخافُوا مِنِّي
لَمْ أَدْفَعْ أَحَدًا نَحْوِي
لَمْ أَمْسِكْ يَدًا
وَلَمْ أُغْرِ قَدَمًا
كَانُوا يَأْتُونَ إِلَيَّ
وَهُمْ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ
كَأَنَّهُمْ ذاهِبُونَ إِلَى مَنْصَّةِ التَّتْوِيجِ
وَمَا عَلِمُوا
أَنَّ كُلَّ مَنْ يُصَفِّقُ لِنَفْسِهِ
يَخْسَرُ شَيْئًا لَا يَسْمَعُ صَوْتَ انْكِسارِهِ
لَقَدْ أَكَلْتُ مُدُنًا
لٰكِنَّنِي لَمْ أَشْبَعْ
لِأَنَّ الحِجارَةَ لَا تُغْرِينِي
أَنَا أَلتهمُ مَا هُوَ أَغْلَى
أَلتهمُ الوُجُوهَ الَّتِي تَبِيعُ ابْتِساماتِها
وَالأَلْسِن الَّتِي تَتَلَوَّنُ كُلَّما يتبَدَّلَ الكُرْسِيُّ
وَالأَيْدِيَ الَّتِي تُصَفِّقُ لِلقاتِلِ
ثُمَّ تَمْسَحُ دُمُوعَ القَتِيلِ
أَنَا لَا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَاعِرٍ
وَوَزِيرٍ
وَقاضٍ
وَمُؤَرِّخٍ
إِذَا دَخَلُوا بِلا حَقِيقَةٍ
صارُوا عِنْدِي اسْمًا واحِدًا
غُبارًا
وَالغُبارُ لَا سِيرَةَ لَهُ
أَكْثَرُ مَا يُضْحِكُنِي
أُولٰئِكَ الَّذِينَ يَبْنُونَ لِأَسْمائِهِمْ تَماثِيلَ
ثُمَّ يَمُوتُونَ خَوْفًا مِنْ نَسْيِ أَسْمائِهِمْ
لَوْ كانُوا يَعْرِفُونَ
أَنَّ التَّمْثالَ أَوَّلُ شَاهِدٍ عَلَى مَوْتِ صاحِبِهِ
لَكَسَرُوهُ بِأَيْدِيهِمْ
مَرَّ بِي المُتَدَيِّنُ
مَرَّ بِي المُلْحِدُ
مَرَّ بِي الثَّائِرُ
وَمَرَّ بِي الجَبَانُ
وَلَمْ أَسْأَلْ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَمَّا يَقُولُ
بَلْ سَأَلْتُهُ عَمَّا يَفْعَلُ
فَكانَ الجَوابُ صَمْتًا
وَالصَّمْتُ أَحْيانًا أَكْبَرُ اعْتِرافٍ
إِنَّكُمْ تُسَمُّونَنِي هاوِيَةً
وَلٰكِنَّكُمْ لَا تَعْرِفُونَ
أَنَّنِي مُجَرَّدُ مِرْآةٍ
كُلُّ مَنْ نَظَرَ فِيَّ
رَأَى عُمْقَهُ
لَا عُمْقِي
وَرَأَى سُقُوطَهُ
لَا سُقُوطِي
لَقَدْ أَتْعَبَنِي الدِّفاعُ عَنْ نَفْسِي
فِي كُلِّ مَرَّةٍ
يَرْتَكِبُ الإِنْسانُ جَرِيمَةً
يُشِيرُ إِلَيَّ
كَأَنَّنِي الفاعِلُ
مَعَ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ يَوْمًا
إِلَّا النَّتِيجَةَ
أَمَّا الجَرِيمَةُ
فَقَدْ وُلِدَتْ هُناكَ
حَيْثُ يَبْتَسِمُ الضَّمِيرُ لِلْمَرَّةِ الأَخِيرَةِ
ثُمَّ يَنْسَحِبُ بِلا ضَجِيجٍ
وَالآنَ
بَعْدَ أَنْ كَبِرْتُ بِقَدْرِ العالَمِ
وَاتَّسَعْتُ بِقَدْرِ خَوْفِكُمْ
أَعْتَرِفُ بِشَيْءٍ واحِدٍ
لَسْتُ أَخْطَرَ مَا فِي الوُجُودِ
بَلْ أَنْتُم
لِأَنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ ابْتِلاعَ أَحَدٍ
مَا لَمْ يَبْدَأْ هُوَ
بِابْتِلاعِ نَفْسِهِ.
رفعت للتصميم













