رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مكانة مصر وفضائلها في ضوء القراّن الكريم والسنة النبوية

بقلم المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

 

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

 

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

 

مكانة مصر وفضائلها في ضوء القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأقوال كبار العلماء،

 

فضل الأمكنة واصطفاء الله لمصر

 

من المقرر أن الله (عز وجل) يخلق ما يشاء ويختار، وهذا الاختيار الإلهي ليس عبثاً، بل هو محض فضل وحكمة، يتعلق بالأزمنة والأمكنة والأشخاص. قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [ القصص، رقم: ٦٨]. فالله (سبحانه) اختار من الملائكة رسلاً، ومن الناس رسلاً، واختار من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واختار من الأيام يوم الجمعة، واختار من الليالي ليلة القدر، واختار من البقاع المساجد، وفي مقدمتها المسجد الحرام.

 

وفي هذا السياق الإلهي الرفيع، نالت مصر حظاً عظيماً من التكريم والاصطفاء، فقد ورد ذكرها في كتاب الله تعالى في قرابة ثلاثين موضعاً بين تصريح وتلميح، وزيّن النبي (صلى الله عليه وسلم) ذِكرها بأحاديث الوصية والتبشير، مما يقتضي منا الوقوف عند هذه المكانة بقلوب واعية، وعقول متدبرة، لنستجلي أبعاد هذا التكريم. وقد قال الحافظ جلال الدين السيوطي (رحمه الله) مبيناً هذا المعنى: “قد فضل الله مصر وشهد لها في كتابه بالكرم وعظم المنزلة؛ وذكرها باسمها وخصها دون غيرها، وكرر ذكرها، وأبان فضلها في آيات من القرآن العظيم”. <السيرة النبوية، للحافظ السيوطي>.

 

وهذا الكلام من إمام كالسيوطي يُعد توطئةً مهمة لفهم أننا لسنا بصدد تعصبٍ لأرض، بل بصدد بيان ما ورد في الوحيين وأقوال العلماء المعتبرين.

 

مصر في الكتاب المسطور: مواضع الذكر والمدح

 

لقد ورد ذكر مصر في القرآن الكريم بصور متعددة، نوجزها في التالي :

 

● أولاً: المواضع الصريحة لمصر في القرآن

 

لم يذكر الله (عز وجل) بلداً باسمه الصريح في معرض المدح والتعظيم غير مكة ومصر. وإليك تفصيل هذه المواضع:

 

• ذكرها في قصة يوسف (عليه السلام):

 

عندما اشتراه عزيز مصر، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [ يوسف، رقم: ٢١]. فجاءت “مصر” علماً على هذا الموضع المخصوص.

 

وعندما جمع يوسف (عليه السلام) شمله بأبويه وإخوته، جاء الخطاب القرآني حاملاً أسمى معاني الأمان: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [ يوسف، رقم: ٩٩]. وفي هذه الآية من التعظيم والمدح ما لا يخفى، حيث وصفها الله بالأمن، وهو وصف لم يشاركها فيه في القرآن إلا البلد الحرام في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [ الفتح، رقم: ٢٧].

 

• ذكرها في قصة موسى (عليه السلام):

 

في معرض تذكير فرعون بنعم الله عليه، ورد ذكره مصر بلسان فرعون نفسه على سبيل التوبيخ لا على سبيل المدح منه، لكن السياق القرآني أثبت لمصر صفة عظيمة، وهي جريان الأنهار، إشارة إلى الخصوبة والعمران: ﴿وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [ الزخرف، رقم: ٥١]. فذَكَر مُلْكَ مصر وجريان أنهارها، وهو وصفٌ لخيراتها وعمرانها، وإن صدر من كافر، إلا أن القرآن أورده ليكون شاهدًا على عظمتها حتى في عيون أهل الكفر.

 

وعندما ضاق الأمر ببني إسرائيل، أمر الله موسى وهارون (عليهما السلام) أن يجعلوا بيوتهم في مصر قبلة وملاذاً آمناً: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [ يونس، رقم: ٨٧]. وهذا تكليف إلهي باتخاذها وطناً ومقراً للعبادة، وفيه خصوصية عظيمة.

 

• ذكرها في سياق طلب بني إسرائيل:

 

في سورة البقرة، لمّا طلب بنو إسرائيل الطعام من نبات الأرض، جاءهم الأمر الإلهي بقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [ البقرة، رقم: ٦١]. وقد اختلف المفسرون في المقصود بـ”مصراً” هنا، هل هو البلد المعين أم مصر من الأمصار، والراجح أنها مصر بعينها، لأنها هي التي كانت تحتوي خيرات ما سألوه.

 

قال ياقوت الحموي في “معجم البلدان”: “قال عبد الرحمٰن بن زيد بن أسلم: يعني مصر، وإن مصر خزائن الأرضين كلها، وسلطانها سلطان الأرضين كلها ألا ترى إلى قول يوسف – عليه السلام – لملك مصر: ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

 

وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ تعظيم لها، فإن موضعًا يُوجد فيه ما يسألون لا يكون إلا عظيمًا”. <معجم البلدان، ياقوت الحموي، (8/ 272-273)>.

 

● ثانياً: إشارات قرآنية ضمنية في فضل مصر

 

تتجاوز إشارات القرآن إلى مصر الذكرَ الصريح إلى تضاعيف الآيات الكريمة، مما يضيف أبعاداً أخرى لتكريمها:

 

• أرضها المباركة ووصفها بأنها “المبوأ الصدق”: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [ يونس، رقم: ٩٣].

 

“أي منازل صدق، قيل: عني بذلك الشام وبيت المقدس، وقيل: عني به الشام ومصر”. <تفسير الطبري، (5/ 4265)>.

 

• وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا﴾ [ الأعراف، رقم: 137].

 

قيل “هي أرض الشام ومصر، ومشارقها ومغاربها: جهات الشرق والغرب بها”. <الجامع لأحكام القرآن (9/ 316)>.

 

• مصر فيها مدائن وجنات وعيون: وصف الله ما تركه قوم فرعون من النعيم بقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [ الدخان، رقم: ٢٥-٢٧].

 

• مصر فيها البقعة المقدسة:

 

مصر فيها الوادي المقدس طوى الذي نودي منه موسى (عليه السلام) ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [ طه، رقم: ١٢].

 

• مصر فيها الجبل الذي تجلى له الرب:

 

– أقسم الله بجبل الطور في مصر في أكثر من موضع، منها قال تعالى: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [ التين، رقم: ٢]، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. قال الإمام ابن كثير (رحمه الله): “قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى”. <تفسير ابن كثير، (14/ 395)>. وقد رجح ذلك ابن القيم (رحمه الله). <بدائع التفسير لابن القيم – رحمه الله – (5/ 269)>.

 

• مصر فيها الربوة ذات القرار والمعين: وهي البقعة التي آوى الله إليها مريم وعيسى (عليهما السلام). قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ [ المؤمنون، رقم: ٥٠]. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: “يعني مصر”. <معجم البلدان، ياقوت الحموي، (8/ 272)>.

 

مصر في السنة النبوية: البشارة والوصية

 

– إذا كان القرآن الكريم قد أثنى على مصر وذكرها، فإن السنة النبوية المطهرة قد زادت هذا الثناء تفصيلاً ووصية، محولة المدح النظري إلى تكليف عملي للأمة.

 

● أولاً: الأحاديث الصحيحة في فضل مصر وأهلها

 

وردت أحاديث صحيحة ومشهورة تبين فضل مصر وخصوصية أهلها، وتوصي بهم خيراً:

 

• حديث أبي ذر (رضي الله عنه) في الوصية بأهلها:

 

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا”، أَوْ قَالَ: “ذِمَّةً وَصِهْرًا”.

 

<صحيح مسلم، برقم 2543>.

 

وفي هذا الحديث الشريف توجيه نبوي كريم إلى معاملة أهل مصر بالإحسان، معللاً ذلك بسببين جليلين: الرحم والصهر. وقد فسر العلماء الذمة بأنها العهد والحرمة والأمان، وأما الرحم فثابتة من جهة أم النبي إسماعيل (عليه السلام) وهي السيدة هاجر المصرية القبطية. وأما الصهر فثابت من جهة السيدة مارية القبطية أم إبراهيم ابن النبي (صلى الله عليه وسلم). قال الإمام النووي (رحمه الله) شارحاً الحديث: “وأما الرحم فلكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصهر، فلكون مارية أم إبراهيم منهم”. <شرح النووي على صحيح مسلم>.

 

وقال ابن الأثير في “النهاية”: “معنى قوله: فإن لهم ذمة ورحماً، أي: أن هاجر أم إسماعيل -عليه السلام- كانت قبطية من أهل مصر”. <النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير>.

 

• مصر ووصيته (صلى الله عليه وسلم) بالقبط عند وفاته:

 

لم تكن وصية النبي (صلى الله عليه وسلم) بمصر وأهلها عابرة

 

، بل كانت وصية مؤكدة ، مما يدل على عظيم أهميتها. روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث أم سلمة (رضي الله عنها) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أوصى عند وفاته، فقال: “اللَّهَ اللَّهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عِدَّةً، وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ”.

 

<رواه الطبراني في المعجم الكبير (23-265) برقم 561، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم 3113>.

 

ووجه خصوصية هذه الوصية أنها تخص طائفة من أهل مصر وهم القبط، وتجعلهم في منزلة الأنصار والأعوان، وهذا مدح عظيم وشهادة نبوية بدورهم في نصرة الدين.

 

• حديث نهر النيل:

 

إن الحديث عن فضائل مصر لا يكتمل دون ذكر نيلها المبارك، الذي أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أن منبعه من الجنة. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) في قصة الإسراء والمعراج، قال صلى الله عليه وسلم: “…وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلَالُ هَجَرَ، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ، فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ؛ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ: أَمَا البَاطِنَانِ فَفِي الجَنَّةِ، وَأَمَا الظَّاهِرَانِ النَّيلُ والْفُرَاتُ”.

 

<صحيح البخاري برقم 3207، وصحيح مسلم برقم 164>.

 

قال الإمام النووي (رحمه الله): “وأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة ففيه تأويلان ذكرهما القاضي عياض :

 

أحدهما : أن الإيمان عم بلادها ، أو الأجسام المتغذية بمائها صائرة إلى الجنة .

 

والثاني : وهو الأصح أنها على ظاهرها ، وأن لها مادة من الجنة”. <شرح النووي على صحيح مسلم>.

 

فنيل مصر ليس كنهر من أنهار الدنيا، بل هو نهر ظاهر من أنهار الجنة، يغذو أرضاً مباركة، فيجتمع فيها شرف الأرض بطيب الماء.

 

● ثانياً: أحاديث أخرى في فضل جندها ورباطهم

 

لم تقف الأحاديث عند فضل الأرض والأهل، بل امتدت لتشمل الجند المرابطين على أرضها، فجعلتهم في أعلى مراتب الجنود. فقد روي عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: “إِذَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ، فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ”، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ (رضي الله عنه): ولِمَ يا رسول الله؟ قال: “لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ”. <رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وذكره السيوطي في حسن المحاضرة>.

 

وهذا شرف عظيم لمن انتسب إلى جندية هذا البلد، فهم في رباط دائم، وعزهم من عز الإسلام. وقد علق الإمام ابن تيمية (رحمه الله) على هذا المعنى حين تكلم عن الطائفة المنصورة التي تكون بالشام ومصر، فقال في معرض كلامه عن حديث: “لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ…”: “فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام، وعزهم عز الإسلام، وذلهم ذل الإسلام…”. <مجموعة الفتاوى، ابن تيمية، (28/ 531-534)>.

 

خصائص مصر وبركاتها في عيون العلماء والمؤرخين

 

نظر كبار الصحابة والعلماء والمؤرخين إلى مصر بعين البصيرة، فدونوا من فضائلها وخصائصها ما يبهر العقول، وما هو إلا شرح وبيان لما ورد في القرآن والسنة. وسنقسم هذه الخصائص إلى عدة محاور:

 

● أولاً: كونها خزائن الأرض وبلد الخيرات:

 

اشتهرت مصر بأنها خزائن الأرض التي لا تنفد، وهذا وصف قرآني نبوي تاريخي. فقد قال ياقوت الحموي: “قال عبد الرحمٰن بن زيد بن أسلم: يعني مصر، وإن مصر خزائن الأرضين كلها…”. <معجم البلدان، (8/ 272-273)>. وهذا التعبير مأخوذ من قول يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [ يوسف، رقم: ٥٥]، والتي فسرها العلماء بأنها مصر. وقد نقل الحافظ السيوطي عن سعيد بن أبي هلال قوله: “مصر أم البلاد، وغوث العباد”. <حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، السيوطي>. وأجمع أهل المعرفة أن أهل الدنيا مضطرون إلى مصر يسافرون إليها ويطلبون الرزق بها.

 

● ثانياً: عجائب نباتها واعتدال مناخها:

 

من الخصائص التي انفردت بها مصر أن خيراتها متصلة لا تنقطع، ففيها من الفواكه والزروع في كل وقت ما لا يوجد في غيرها.

 

قال الجاحظ: “إن أهلها يستغنون عن كل بلد حتى لو ضُرب بينها وبين بلاد الدنيا سور لغنيَ أهلها بما فيها عن سائر بلاد الدنيا”. <حسن المحاضرة، السيوطي>.

 

ونقل الحافظ السيوطي وصفاً بديعاً لذلك بقوله: “فكانت البساتين بحافتي النيل من أوله إلى آخره ما بين أسوان إلى رشيد لا تنقطع، ولقد كانت المرأة تخرج حاسرة ولا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر، ولقد كانت المرأة تضع المِكتل على رأسها فيمتلئ مما يسقط به من الشجر”. <فضائل مصر ومزايا أهلها، د. محمد موسى الشريف>. وهذا الوصف الباهر يجعل من مصر شبيهاً بالجنة في عيون الناظرين؛ فقد روي عن كعب الأحبار أنه قال: “من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة، فلينظر إلى مصر إذا أخرفت وإذا أزهرت، وإذا اطردت أنهارها، وتدلت ثمارها، وفاض خيرها، وغنت طيرها”.

 

● ثالثاً: كونها بلد الأنبياء والأولياء والعلماء

 

مصر هي البلد الذي تشرفت بمسير الأنبياء على ترابها، وإليك تعداداً مختصراً لبعضهم:

 

· إبراهيم الخليل (عليه السلام): دخلها وتزوج منها هاجر.

 

· يوسف ويعقوب والأسباط (عليهم السلام): عاشوا فيها وملكوا.

 

· موسى وهارون (عليهم السلام): ولدا ونشآ فيها.

 

· عيسى ومريم (عليهما السلام): آواهم الله إليها.

 

وقد أحصاهم الحافظ السيوطي (رحمه الله) في أبيات له:

 

“قد حل مصــرَ على ما قد رَوَوا زمرٌ… من النبيين زادوا مصـــــــر تأنيسا

 

فهاك يوسف والأسباط مــــــــع أبِهِ… وحافدا، وخليل الله إدريســـــــــــــا…”.

 

ولم يتوقف الأمر عند الأنبياء، بل سارت على دربهم أمة من الصحابة الكرام، منهم: الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وعمرو بن العاص، وغيرهم الكثير ممن دخلوها فاتحين.

 

قال يزيد بن أبي حبيب: “وقف على إقامة قبلة المسجد الجامع ثمانون رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”. <فتوح مصر والمغرب، ابن عبد الحكم>.

 

وعلى أرضها نشأ علماء أعلام هم أعيان المذاهب وأركان العلوم، كالإمام الليث بن سعد، والإمام الشافعي، والعز بن عبد السلام ، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وكانت مصر بجامعها الأزهر الشريف قِبلة العلم التي لم تنقطع أنوارها. وقد أقام بها ودفن فيها كثير من هؤلاء الأعلام، وكان أزهرها الشريف منارة العلم ومقصد الطلاب من كل فج.

 

● رابعاً: وصف أهلها وورعهم :

 

اشتهر أهل مصر بالكرم والسماحة والورع. قال عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما): “أهل مصر أكرم العرب كلهم، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً، وأقربهم رحماً بالعرب عامة، وبقريش خاصة”. <حسن المحاضرة، السيوطي>. وقال يحيى بن سعيد: “جلت البلاد فما رأيت الورع ببلد من البلدان أعرفه إلا بالمدينة وبمصر”. <فضائل مصر، الكندي>.

 

قصة فتح مصر: تحقيق الموعود النبوي

 

لقد تحقق وعد النبي (صلى الله عليه وسلم) بفتح مصر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص (رضي الله عنه). وكان ذلك الحدث تجسيداً عملياً للوصايا النبوية، ودخولاً آمناً لأرض الأمن. وقد نقل المؤرخون أن عمرو بن العاص كان يعرف مصر من الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ألح على عمر في فتحها، وقال له: “يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! ائْذَنْ لِي أَنْ أَسِيرَ إِلَى مِصْرَ، إِنَّكَ إِنْ فَتَحْتَهَا كَانَتْ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وَعَوْنًا لَهُمْ، وَهِيَ أَكْثَرُ الْأَرْضِ أَمْوَالًا…”. <فتوح مصر والمغرب، ابن عبد الحكم>.

 

وكان من لطيف تدبير الله أن عمرو بن العاص، لما خشي أن يأتيه كتاب عمر بالرجوع، لم يفتح الكتاب حتى دخل أرض مصر، تنفيذاً لاستخارة عمر وشرطه. يقول عمرو بن العاص (رضي الله عنه) لأهل مصر في خطبته بعد الفتح، ملخصاً حقيقة الأمن والرباط الذي هم عليه: “واعلموا أنكم فى رباط إلى يوم القيامة، لكثرة الأعداء حوالكم، وتشوّق قلوبهم إليكم وإلى داركم، معدن الزرع والمال والخير الواسع والبركة النامية”. <فتوح مصر والمغرب، ابن عبد الحكم>. وهذه العبارة “في رباط إلى يوم القيامة” هي الصفة الملازمة لأهل مصر وجندها إلى الدهر.

 

رسالة النبي إلى المقوقس وشرف المصاهرة :

 

في السنة السابعة من الهجرة، وجه النبي (صلى الله عليه وسلم) رسالة إلى المقوقس عظيم القبط في مصر، داعياً إياه إلى الإسلام. وهذا نص الرسالة كما دوّنه أهل السير: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى المُقَوْقَسِ عَظِيمِ القِبْطِ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى أَمَّا بَعْدُ.. فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلَامِ: أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ القِبْطِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾”.

 

<عيون الأثر، لابن سيد الناس، ص350>.

 

وإن كان المقوقس لم يسلم، إلا أنه أكرم الرسول والرسالة، وأهدى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) هدايا كانت سبباً لزيادة الصلة والرحم بين العرب ومصر، ومن أعظم هذه الهدايا السيدة مارية القبطية (رضي الله عنها)، التي تسرى بها النبي (صلى الله عليه وسلم)، فكانت أم ولده إبراهيم، وبها تحقق الصهر الذي أخبر به النبي (صلى الله عليه وسلم) في حديثه. وهذه الحادثة تجعل لمصر نسباً وصهراً في بيت النبوة، وهو شرف لا يدانيه شرف.

 

الأمن في مصر: نعمة إلهية وخصوصية قرآنية

 

إن أعظم نعمة يمتن الله بها على بلد وعباده بعد الإيمان هي نعمة الأمن، وقد انفردت مصر بورود هذه النعمة عليها في كتاب الله. قال تعالى مخبراً عن يوسف (عليه السلام): ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]. وقد لاحظ العلماء خصوصية اقتران الأمن بـ “مصر” و “المسجد الحرام” فقط في القرآن، مما يدل على أن الله جعل لمصر من الأمان ما جعله لبيته الحرام.

 

ولأهمية الأمن، فقد قدمه الخليل إبراهيم (عليه السلام) على طلب الرزق في دعائه المشهور: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [ البقرة، رقم: ١٢٦]. قال الإمام الرازي (رحمه الله) مبيناً علة ذلك: “سئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعد زمان، ثم إنها تقبل على الرعي والأكل؛ ولو أنها ربطت في موضع وربط بالقرب منها ذئب فإنها تمسك عن العلف ولا تتناوله إلى أن تموت، وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف أشد من الضرر الحاصل من ألم الجَسَد”. <تفسير الرازي>.

 

قال كعب الأحبار: “لولا رغبتي في الشام لسكنت مصر… لأنها بلدة معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء كبه الله على وجهه”. <حسن المحاضرة، السيوطي>.

 

وروي أنه مكتوب في التوراة: “بلد مصر خزانة الله، فمن أرادها بسوء قصمه الله”.

 

وإن استتباب الأمن بمصر لهو وعد إلهي ونبوي، بشرط الأخذ بأسباب حفظه من الإيمان والتقوى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [ الأعراف، رقم: ٩٦]. وقد عبر الصحابي الجليل عمرو بن العاص عن تلازم الأمن والعمارة والعدل في مصر بقوله: “مصر درة ياقوته لو استخرج السلطان كنوزها لكفت الدنيا بأسرها”.

 

واجبنا نحو مصر: بين الشكر والعمل :

 

بعد هذا البيان لفضائل مصر، يبرز سؤال جوهري: ما واجبنا العملي تجاه هذا البلد المبارك؟ الجواب يتلخص في كلمة جامعة: أداء حق النعمة. إن الله (عز وجل) أنعم على مصر بنعم ظاهرة وباطنة، وإن من لوازم الإيمان شكر هذه النعم والمحافظة عليها، والعمل على دوامها.

 

● أولاً: شكر النعمة بالحفاظ على أمنها واستقرارها

 

إن أول صور الشكر هو السعي للحفاظ على نعمة الأمن والاستقرار، والتصدي لكل من يحاول زعزعتها. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [ إبراهيم، رقم: 7].

 

ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديث الصحيح: “مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ؛ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا”. <رواه الترمذي وابن ماجة، وحسنه الألباني>. فإذا كان الأمن بهذه المنزلة، وجب على كل مصري أن يكون حارساً له، بتعاون الجميع مسلمين ومسيحيين، فعنوان الوطنية الصادقة أن نكون جميعاً عيوناً ساهرة على أمن بلادنا.

 

● ثانياً: التصدي للأفكار الهدامة والمفاهيم المغلوطة

 

إن من أعظم ما يهدد أمن البلاد انتشار الأفكار المنحرفة التي تستغل نصوص الدين لتبرير العنف والتطرف، بفهم منكوس بعيد عن فهم السلف الصالح. لذا، فإن من واجب العلماء والدعاة والمفكرين تحصين عقول الشباب، وبيان سماحة الإسلام ووسطيته، وأن حب الوطن والدفاع عنه من صميم الدين، فها هو النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يقف على مشارف المدينة حزيناً متأثراً حين خرج منها مهاجراً، ويقول لها: “وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ”. <رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني>.

 

● ثالثاً: إحياء روح الانتماء والعمل الجاد :

 

يجب أن نزرع في الأجيال الجديدة الاعتزاز بوطنهم وتاريخهم الذي بدأ مع فجر التاريخ، وأن مصر ذكرت في الكتب السماوية، وكانت ملاذاً للأنبياء. علينا أن نعمل بجد وإخلاص في كل موقع من مواقع المسؤولية، لتعود مصر كما كانت دائماً نموذجاً للحضارة والرقي، فمصر التي وصفها عبد الله بن عمرو بن العاص بقوله: “أهل مصر أكرم العرب كلهم، وأسمحهم يداً…”، تستحق منا أن نرتقي إلى مستوى هذه الشهادة.

 

وبعد هذا التطواف في رحاب القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وما سطّره العلماء الثقات من أخبار وفضائل، نخلص إلى يقين راسخ بأن لمصر خصوصية ومكانة لا تنكر. إنها البلد الذي ذكره الله في كتابه مقروناً بالأمن، ووصفه نبيُّه صلى الله عليه وسلم بأن أهله في ذمة ورحم وصهر، وجعل جنوده في رباط إلى يوم القيامة. إن هذه المنزلة ليست تشريفاً فحسب، بل هي تكليفٌ وأمانةٌ في أعناقنا جميعاً، تقتضي منا شكر النعمة بالحفاظ على هذا البلد الأمين، وصون أمنه واستقراره، والعمل الجاد على رفعته وعمارته، والوقوف صفاً واحداً في وجه كل من يحاول النيل منه. فلنكن على قدر هذا التكريم الإلهي والنبوي، ولنوصِ بها أبناءنا من بعدنا كما أوصانا بها حبيبنا صلى الله عليه وسلم. إن مصر باقية بعز الله محفوظة بحفظ الله، ما تمسك أهلها بالإيمان والتقوى وحب الوطن.

 

وعلينا ان نسعى لعمارتها، والذود عن حياضها، والالتفاف حول قيادتها وجيشها، ونشر العلم النافع فيها، وبث روح المحبة والمواطنة بين كل أبنائها.

 

نسأل الله (عز وجل) أن يحفظ مصر وأهلها، وأن يزيدها أمناً وإيماناً، وأن يجعلها سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأن يرد عنها كيد الكائدين وعدوان المعتدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

اللهم آمنا في أوطاننا، واحفظ مصر من كل سوء ومكروه، وبارك في نيلها وزرعها،