
ميلينا .. المرأة التي قرأت روح كافكا حين نجا الحب بالكلمات واصبح ادبا خالدا
بقلم : دعاء هزاع الجابري – اليمن
في الحب ليست كل الرسائل مجرد كلمات تعبر المسافات بين قلبين ، فبعضها يتحول إلى جسر يعبر الزمن ذاته ، ليبقى نابضا بعد رحيل أصحابه بعقود طويلة ، وهكذا كانت رسائل ” فرانز كافكا ” إلى ” ميلينا ” هذا الأديب والروائي التشيكي المولد ، الذي كتب اعماله باللغة الألمانية ويعد من ابرز كتاب الأدب العالمي في القرن العشرين ، والذي لم يكتف بتوثيق قصة حب ” معقدة ” بل أعاد تعريف معنى الرسالة العاطفية في الأدب العالمي ، وجعل من البوح فنا قائما بذاته
ففي مطلع عشرينيات القرن الماضي ، التقى ” كافكا ” بالصحفية والمترجمة التشيكية ” ميلينا يسينسكا ” عبر الكلمات قبل أن يجمعهما الواقع ، وكانت ميلينا قد بدأت بترجمة بعض أعماله إلى اللغة التشيكية ، ومن هنا بدأت المراسلات بينهم حتى تحولت لاحقا إلى واحدة من أشهر رسائل الحب في تاريخ الأدب ، فلم تكن تلك الرسائل تقليدية ، ولم تحمل وعود العشاق المعتادة أو أحلام اللقاء السعيدة فحسب ، بل كانت اعترافات وجودية عارية يضع فيها كافكا روحه كلها على الورق ، وقد كان يكتب كما لو أنه يحاول إنقاذ نفسه بالكلمات ، وكأن الحبر وسيلته الوحيدة لمقاومة الوحدة والخوف والقلق الذي رافقه طوال حياته
حيث في رسائله إلى ” ميلينا ” لم يكن كافكا عاشقا فقط ، بل كان إنسانا يواجه هشاشته أمام امرأة استطاعت أن تنفذ إلى أعماقه ، لذلك جاءت رسائله مزيجا نادرا من الحب والفلسفة والاعتراف النفسي والتأمل الوجودي ، ولم يكن بذلك يصف مشاعره وحسب ، بل كان يشرح طبيعة الخوف ذاته ويحلل معنى الانتظار ويكشف عن التناقضات التي تسكن النفس البشرية ، ولذلك فأن ما يميز تلك الرسائل أنها تجاوزت حدود العلاقة بين شخصين لتصبح مرآة للإنسان الحديث بكل قلقه وأسئلته ، ففي كل رسالة نجد كافكا يتأرجح بين الرغبة في الاقتراب والخشية من الاقتراب ، بين الحاجة إلى الحب والخوف من تبعاته ، وبين الأمل واليأس ، وذلك ماجعل كل قراء الأجيال المتعاقبة يشعرون بأن هذه الرسائل كتبت لهم أيضا لا لميلينا وحدها
ولعل أكثر ما منح تلك المراسلات خلودها هو صدقها النادر ، فالكلمات فيها لا تبدو مصنوعة لأجل الإبهار بل مولودة من قلب يعيش تجربته بكل ما فيها من ارتباك وحنين وألم ، فكافكا لم يكن يكتب ليبدو عاشقا عظيما بل لأنه لم يكن يستطيع الصمت ، وهو ماجعل رسائله تتميز بلغتها الشفافة والعميقة في آن واحد ، لغة قادرة على الانتقال من أدق تفاصيل الحياة اليومية إلى أكبر الأسئلة الوجودية في بضعة أسطر فقط ، لهذا أصبحت رسائله نموذجا أدبيا فريدا يدرس الى اليوم ، بوصفها مثالا على الكتابة الاعترافية التي تمزج بين الأدب والحياة دون حواجز ، لما تركته هذه الرسائل من أثرا بالغا في الأدب العالمي ، إذ فتحت الباب أمام أجيال من الكتاب للتعامل مع الرسالة بوصفها جنسا أدبيا قائما بذاته ، لا مجرد وسيلة للتواصل ، وأصبحت بذلك مرجعا مهما لكل من أراد فهم العلاقة بين الكتابة والعاطفة وبين الحب والاغتراب وبين الإنسان وظله الداخلي
وربما تكمن المفارقة الأجمل في أن قصة الحب ذاتها لم تنته كما تنتهي الحكايات الحالمة ، لكن الكلمات التي ولدت منها عاشت أكثر من أصحابها ، فلقد انتصر الأدب على الزمن وبقيت الرسائل شاهدة على أن بعض أنواع الحب لا تقاس بطول اللقاء بل بعمق الأثر الذي يتركه في ” الروح ” ، واليوم وبعد أكثر من قرن على كتابتها لا تزال رسائل ” كافكا إلى ميلينا ” تقرأ بشغف في مختلف أنحاء العالم ، لأنها لا تحكي قصة رجل وامرأة فحسب ، بل تحكي قصة الإنسان حين يحاول أن يضع قلبه كاملا بين يدي اللغة ، فهناك في تلك الصفحات الصفراء التي عبرت العقود ، ما زال كافكا يهمس لميلينا وما زالت الإنسانية كلها تنصت له .











