تراجيديا الذاكرة وانعتاق الجسد قراءة في رواية ” رقصات الزنبقة ” للكاتب المغربي ” عبد الرحمان بولنوار ” … 

بقلم : طارق الأسمر

 

تأتي رواية ” رقصات الزنبقة ” للكاتب والروائي المغربي ” عبد الرحمان بولنوار ” كأقصوصة حياة ممتدة، أو بالأحرى كلوحة تشكيلية صيغت بالكلمات لتنبش في تفاصيل الذات الإنسانية وتناقضاتها الصارخة. في هذا العمل، لا يقدم بولنوار مجرد حكاية عابرة، بل يشيّد معماراً سردياً ينطلق من اليومي والمعيش ليحلق في فضاءات فلسفية ونفسية رحبة، محولاً فعل السرد إلى أداة للمساءلة والمكاشفة.

 

فمن العتبة الأولى للنص، يضعنا العنوان ” رقصات الزنبقة ” أمام مفارقة بصرية وشعورية مكثفة. فالزنبقة، بما تحمله في المخيال الثقافي والأدبي من دلالات الطهر، الرقة، والجمال الآسر، لا تكتفي هنا بالوجود الساكن، بل تُمنح فعل الرقص. والرقص في عمقه هو حركة انفكاك من الجاذبية، وسعي نحو التحرر والانعتاق.

 

ولكن هذا الرقص عند ” عبد الرحمان بولنوار ليس احتفالياً بالضرورة، إنه رقص سيزيفي مفعم بالوجع والمقاومة، رقصة البجعة الأخيرة التي تقاوم الذبول والتلاشي أمام قسوة الواقع وتحولاته السريعة والمربكة.

 

كما تتحرك شخوص الرواية في فضاءات ملغومة بالانتظار والخيبات، حيث يعيد الكاتب صياغة مفهوم البطل ممتناً عن تقديم شخصيات مسطحة أو مثالية. أبطال ” عبد الرحمن بولنوار ” كائنات من لحم ودم، مشحونة بالقلق الوجودي، ومحاصرة بافتقاد اليقين.

 

حيث يتميز البناء الدرامي في “رقصات الزنبقة” بـ :

 

تعدد الأصوات ” البوليفونية ” حيث تمنح الرواية لكل شخصية مساحتها الخاصة للتعبير عن هواجسها، مما يتيح للقارئ رؤية الحكاية من زوايا ومرايا متعددة.

 

كما يتلاعب الكاتب بالزمن عبر تقنيات الاسترجاع (Flashback) والتداعي الحر، وكأن الذاكرة في الرواية ليست مجرد مستودع للماضي، بل هي كائن حي يتدخل في توجيه الحاضر ورسم ملامحه.

 

كما يبرع ” عبد الرحمن بولنوار ” في تشريح الدوافع الخفية لشخصياته، متوغلاً في مناطق الظل من النفس البشرية، حيث تتشابك الرغبة بالخوف، والانتماء بالاغتراب.

 

فإن ما يمنح ” رقصات الزنبقة ” خصوصيتها الإبداعية هو تلك اللغة التي كُتبت بها. لم تكن لغة ” عبد الرحمن بولنوار ” مجرد أداة إخبارية لنقل الأحداث، بل هي لغة واصفة تميل إلى الشعرية دون السقوط في فخ الترهل اللفظي.

 

و ثمة تكثيف مجازي يرافق الوصف، واشتغال دقيق على الإيقاع الداخلي للجمل الكلاسيكية والحديثة على حد سواء.

 

كما يفلح الكاتب في تحويل المظاهر العادية واليومية إلى طقوس مشهدية غنية بالتفاصيل، مستعيناً بحس بصري حاد يشبه إلى حد بعيد عين السينمائي التي تلتقط الكادر بعناية فائقة، مما يضفي على الرواية طابعاً بصرياً (Visual) يثبّت المشاهد في مخيلة القارئ.

 

و في الختام فإن في “رقصات الزنبقة”، يثبت ” عبد الرحمن بولنوار ” أن الرواية المغربية والعربية لا تزال قادرة على تجديد دماء أسئلتها الوجودية. إنها قراءة نقدية مبطنة لواقع يعيش تمزقاته الخاصة، ودعوة صريحة للإنصات إلى تلك الهوامش المنسية في الذات الإنسانية.

 

فإن ” رقصات الزنبقة ” عمل لا ينتهي بانتهاء صفحاته الأخيرة، بل يبدأ فعلياً في مخيلة القارئ، تاركاً إياه يتساءل ” هل نرقص فرحاً بوجودنا، أم نرقص لنخفي ارتعاشات خوفنا من السقوط ..؟ ” ….