مبدأ الكوناتوس عند باروخ سبينوزا

مبدأ الكوناتوس عند باروخ سبينوزا

 

في أواسط القرن السابع عشر، وبينما كان الفيلسوف الهولندي المطرود من طائفته، باروخ سبينوزا، يصقل العدسات الزجاجية في عزلته، كان يصقل معها واحدة من أهم النظريات التي ستفسر جوهر الوجود الحي. لقد انطلق سبينوزا من سؤال جوهري: ما هو الثابت والمحرك الأساسي لكل كائن في هذا الكون المليء بالمتغيرات؟ الإجابة تجسدت في مفهوم رياضي وفلسفي دقيق أطلق عليه اسم “الكوناتوس” (Conatus).

 

يُعرّف سبينوزا “الكوناتوس” في كتابه العمدة “الأخلاق” (تحديداً في الجزء الثالث منه)، بأنه “الجهد الذي يبذله كل شيء، لكيما يستمر في كيانه”. بعبارة أخرى، ليس هناك كائن يميل بطبيعته إلى تدمير ذاته، بل إن جوهر كل كائن، وهويته الحقيقية، تتلخص في تلك المقاومة المستمرة والميل الفطري للبقاء، ورفض الفناء، والتشبث بوجوده الخاص. هذا الجهد ليس عرضياً أو مؤقتاً، بل يقول سبينوزا بوضوح إن “الجهد الذي يبذله كل شيء للاستمرار في كيانه هو غير ماهية الشيء ذاته الفعلية”.

 

لقد تجاوز هذا المبدأ حدود الفيزياء ليدخل في صلب التكوين النفسي والوجودي للإنسان. بناءً على هذا المبدأ، تصبح رغبتي ورغبتك في أن نظل ما نحن عليه، وأن لا نتلاشى أو نتحول إلى كائن آخر، هي الماهية الأساسية لنا. الفرد لا يسعى فقط للبقاء كنوع بشري عام، بل يسعى للبقاء كفرد يحمل ذاكرته، واسمه، ووعيه الخاص. هذا الجهد المستميت للاستمرار، والذي لا ينطوي على زمن محدود بل ينطوي على زمن غير محدود، هو المنبع الذي تتفرع منه رغبة الإنسان العارمة في الخلود، ورفضه القاطع للموت كفناء مطلق لوعيه الشخصي.

 

على الطرف النقيض من فكرة “الكوناتوس” وضرورة التشبث بالكيان، تقف الفلسفة التشاؤمية عند آرثر شوبنهاور، متقاطعة مع جذور الفلسفات الشرقية كالبوذية. يرى شوبنهاور أن هذا “الجهد المستمر للبقاء” (الذي يسميه إرادة الحياة) هو بالضبط مصدر كل شقاء ومعاناة إنسانية. فالاستماتة في الحفاظ على الأنا الفردية لا تجلب سوى الألم والخيبات. الخلاص الحقيقي، وفقاً لهذا الطرح، لا يكمن في تعزيز “الكوناتوس” والتمسك المرضي بالكيان الفردي، بل في “إنكار الإرادة” وتجاوز الرغبة في البقاء، والوصول بالذات إلى حالة الانطفاء أو الـ “نيرفانا”، حيث يتحرر الإنسان من سجن فرديته واندفاعه الغريزي.

 

الصفحة الرسمية للكاتب سالم يفوت