مفهوم العلمانية عند عبد الوهاب المسيري

بقلم…  كريم جدي

يُعتبر عبد الوهاب المسيري من أبرز المفكرين العرب الذين تناولوا مفهوم العلمانية بنقدٍ فلسفي وحضاري عميق، وقد ميّز بين نوعين أساسيين منها: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة. هذا التمييز هو جوهر مشروعه الفكري.

 

أولًا: تعريف العلمانية عند المسيري:

 

يرى المسيري أن العلمانية ليست مجرد “فصل الدين عن الدولة” كما يُشاع، بل هي رؤية شاملة للإنسان والعالم والمعرفة. لذلك حاول تجاوز التعريفات السطحية نحو تحليل جذورها الفلسفية والحضارية.

 

ثانيًا: العلمانية الجزئية:

 

العلمانية الجزئية عند المسيري تعني:

فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية، مع بقاء الدين والقيم الأخلاقية حاضرَين في المجتمع.

وهي — في نظره — صيغة تاريخية ظهرت في أوروبا لمعالجة صراع الكنيسة مع الدولة، دون أن تؤدي بالضرورة إلى إقصاء الدين من حياة الناس.

 

 

خصائصها:

 

تنظيم العلاقة بين السلطة والدين.

الاعتراف بالدين كمرجعية أخلاقية وروحية.

لا تنكر وجود القيم المطلقة أو البعد الإنساني.

ويرى المسيري أن هذا الشكل قد يوجد بدرجات مختلفة حتى داخل مجتمعات متدينة.

 

ثالثًا: العلمانية الشاملة:

 

أما العلمانية الشاملة فهي أخطر أشكال العلمانية عنده، وتعني:

نزع القداسة عن العالم والإنسان والطبيعة، وتحويل كل شيء إلى مادة قابلة للحساب والاستهلاك.

أي أنها ليست فقط فصل الدين عن السياسة، بل:

فصل القيم عن الحياة.

تحويل الإنسان إلى كائن مادي/اقتصادي.

إقصاء المرجعية الأخلاقية والميتافيزيقية.

سيطرة النزعة الاستهلاكية والتقنية.

ويرى المسيري أن الحداثة الغربية المعاصرة تميل إلى هذا النموذج.

 

رابعًا: نقد المسيري للعلمانية الشاملة:

 

انتقد المسيري هذا النموذج لأنه — حسب رأيه — يؤدي إلى:

تشييء الإنسان وتحويله إلى “مادة استعمالية”.

انتشار الفردانية والاستهلاك.

تآكل المعنى والقيم.

هيمنة السوق والتقنية على الإنسان.

وكان يعتبر أن الأزمة ليست في التقدم العلمي نفسه، بل في الرؤية الفلسفية التي تجعل الإنسان مجرد عنصر مادي بلا غاية متجاوزة.

 

خامسًا: موقفه من الدين والحداثة:

 

لم يكن المسيري رافضًا للعلم أو الدولة الحديثة، بل حاول بناء نموذج:

يستفيد من الحداثة والعقلانية،

ويحافظ في الوقت نفسه على المرجعية الأخلاقية والإنسانية والدينية.

لذلك يُصنَّف مشروعه ضمن محاولات النقد الحضاري للحداثة الغربية من داخل أدوات فكرية حديثة.

 

من أهم كتبه حول الموضوع:

 

من أبرز أعمال عبد الوهاب المسيري:

العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة

رحلتي الفكرية

الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان

 

خلاصة الفكرة

يمكن تلخيص تصور المسيري في العبارة التالية:

ليست المشكلة في فصل الدين عن الدولة فقط، بل في تحويل الإنسان والعالم إلى مادة بلا معنى أو قيمة متجاوزة.

وهذا ما جعله يفرّق بين علمانية إجرائية محدودة، وعلمانية شاملة تُعيد تشكيل رؤية الإنسان للوجود كله.