آخرُ ما يَتَعَلَّمُهُ القَلْبُ

آخرُ ما يَتَعَلَّمُهُ القَلْبُ

في آخِرِ اللَّيْلِ،

حينَ تَنامُ المُدُنُ،

وتَبْقَى الأرواحُ وَحْدَها

تُحَدِّقُ في خَرابِها،

أَجْلِسُ قُرْبَ نافِذَتي

كَغَريبٍ

نَسِيَ الطَّريقَ إلى نَفْسِهِ.

أُخْفِي انْكِساراتي

في جَيْبِ الصَّمْتِ،

وأُعَلِّمُ قَلْبي

كَيْفَ يَبْتَسِمُ

وَهُوَ يَنْزِفُ بِبُطْءٍ.

ما عادَ لِلْحُزْنِ

ذٰلِكَ الصَّوْتُ العالِي،

صارَ أَكْثَرَ حِكْمَةً،

يَمْشِي داخِلِي

عَلَى أَطْرافِ التَّعَبِ،

ويَقولُ لي:

إِنَّ الَّذينَ يُوَزِّعونَ شَكْواهُمْ

عَلَى المارَّةِ

يَعودونَ أَكْثَرَ وَحْدَةً.

يا صَديقي،

لَيْسَ كُلُّ كَتِفٍ

وَطَنًا لِلْبُكاءِ،

ولا كُلُّ عَيْنٍ

تَفْهَمُ مَعْنَى الدُّموعِ.

بَعْضُ النّاسِ

يَسْتَمِعونَ لِوَجَعِكَ

كَما يَسْتَمِعُ العابِرونَ

إلى مَطَرٍ بَعيدٍ،

لَحْظَةَ دَهْشَةٍ

ثُمَّ يَمْضونَ.

لِذٰلِكَ

كُنْتُ كُلَّما ضاقَتِ الرّوحُ

أَرْفَعُ قَلْبي إلى السَّماءِ،

وأَقولُ:

خُذْ بِيَدِي،

فَإِنَّ الأَرْضَ

تُرْهِقُ الَّذينَ يَحْمِلونَ أَرْواحَهُمْ

عارِيَةً أَمامَ العالَمِ.

تَعَلَّمْتُ

أَنَّ النّارَ

لا تُحْرِقُ الشُّموعَ عَبَثًا،

بَلْ تَمْنَحُها

ذٰلِكَ التَّوَهُّجَ الأَخيرَ.

وتَعَلَّمْتُ

أَنَّ الإِنْسانَ

كُلَّما عَبَرَ الأَحْزانَ وَحْدَهُ

صارَ أَعْمَقَ،

وأَهْدَأَ،

وأَقْرَبَ إلى نَفْسِهِ.

ما نَحْنُ

إِلَّا عابِرو ظِلٍّ

في مَمَرِّ الوَقْتِ،

نَتَقاتَلُ عَلى أَشْياءَ

سَيَبْتَلِعُها الغِيابُ،

ثُمَّ نَكْتَشِفُ مُتَأَخِّرينَ

أَنَّ الطُّمَأْنينَةَ

كانَتْ تَسْكُنُ

في قَلْبٍ

عَرَفَ السَّكينَةَ

فَاكْتَفَى.

بقلم الشاعر مؤيد نجم حنون طاهر 

العراق