
طرق فعّالة لغرس القيم الوطنية لدى أطفال سنّ ما قبل المدرسة
بيرمحمدوفا ريسولات قهرامونوفنا
طالبة في تخصص التعليم ما قبل المدرسي، الجامعة النوردية الدولية
⸻
المقدمة
تُعدّ مرحلة التعليم ما قبل المدرسي فترةً بالغة الأهمية في حياة الطفل، حيث تتشكّل خلالها رؤيته الاجتماعية والأخلاقية، وفهمه لقواعد السلوك، وإدراكه لانتمائه الثقافي. ولذلك تحظى هذه المرحلة باهتمام خاص في مجالي علم التربية وعلم نفس النمو.
في هذا العمر، لا يقتصر وعي الطفل على إدراك ذاته بوصفه “أنا”، بل يبدأ أيضاً في فهم دائرة “نحن”، أي محيطه الاجتماعي القريب مثل الأسرة، ومجموعة الأقران، والمؤسسات التعليمية، وذلك من خلال منظومة من القواعد والمعايير.
إن غرس القيم الوطنية يُعد جزءاً لا يتجزأ من هذه العملية، إذ يُسهم في ترسيخ احترام الذاكرة الثقافية لدى الطفل، وتنمية صفات اجتماعية مهمة مثل اللطف في التعامل مع الآخرين، وحبّ العمل، واحترام الكبار، والعطف على الصغار.
ومع ذلك، فإن تطبيق مفهوم “غرس القيم الوطنية” في مؤسسات التعليم ما قبل المدرسي يظل في كثير من الأحيان محصوراً في الاحتفالات والمناسبات أو المعارض التثقيفية، أو في أنشطة قصيرة ومتقطعة. ولا يتم دمجه بشكل منهجي في محتوى وأساليب العملية التربوية اليومية. ونتيجة لذلك، قد تبقى مفاهيم القيم لدى الأطفال غير مستقرة، وتظهر بشكل مؤقت، وغالباً في إطار تقليد خارجي سطحي.
تشير الأدبيات العلمية إلى أن الآليات الأساسية للتربية في سنّ ما قبل المدرسة تتمثل في وحدة النشاط، والتواصل، والخبرة الانفعالية. فالقيمة لا تُقدَّم للطفل كقاعدة جاهزة، بل يقترب منها من خلال مواقف ذات معنى، واختيارات، وتجارب مشتركة.
ووفقاً لنظرية فيغوتسكي، فإن الخبرة الاجتماعية تُكتسب أولاً في النشاط الخارجي، ثم تتحول إلى عمليات نفسية داخلية. وبالتالي، فإن القيم لا تُغرس من خلال الشعارات أو النصائح المباشرة، بل من خلال النشاط التعاوني والوسائل اللغوية.
ويُظهر هذا الطرح أن استخدام المواد التعليمية أو الأنشطة وحدها غير كافٍ لغرس القيم الوطنية في مرحلة ما قبل المدرسة، بل يتطلب الأمر توفير مجموعة من الشروط التربوية التي تمنح هذه القيم معنى شخصياً للطفل.
ومع ذلك، فإن التجارب المنهجية الحالية غالباً ما تفتقر إلى الترابط بين الشروط والمعايير ومؤشرات التقييم، كما يُقاس “النجاح” عادة بعدد الأنشطة أو مستوى التنظيم، وليس بالتغيرات السلوكية المستدامة لدى الطفل.
ومن هنا تنشأ مشكلة البحث:
ما هي النماذج التربوية، والمعايير، والعمليات العملية التي تضمن فاعلية غرس القيم الوطنية في مؤسسات التعليم ما قبل المدرسي؟
⸻
هدف الدراسة ومهامها
يهدف هذا البحث إلى تنظيم وتحديد أكثر الطرق فعالية لغرس القيم الوطنية لدى أطفال سنّ ما قبل المدرسة، وتبرير شروطها التربوية، وتحديد مؤشرات مستوى المعرفة من خلال التجربة العملية.
ولتحقيق هذا الهدف، تم تحديد المهام التالية:
* أولاً: تطوير مفهوم القيم الوطنية ضمن إطار نفسي-تربوي يتناسب مع خصائص مرحلة ما قبل المدرسة.
* ثانياً: إعداد مجموعة من الأساليب التكاملية وإدماجها في العملية التربوية.
* ثالثاً: تحديد ديناميكيات التغير من خلال معايير ومؤشرات تقييم واضحة.
* رابعاً: تحليل تأثير التعاون بين الأسرة ورياض الأطفال، إضافة إلى دور البيئة التربوية في النتائج.
⸻
الأصالة العلمية للدراسة
تتمثل الجِدّة العلمية لهذا البحث في اقتراح نموذج مرحلي يدمج عملية غرس القيم الوطنية في الأنشطة التعليمية اليومية، بالإضافة إلى تقديم نظام تقييم قائم على ثلاثة أبعاد:
* البعد المعرفي
* البعد العاطفي-القيمي
* البعد السلوكي-العملي
⸻
الأساس المنهجي للدراسة
تعتمد الدراسة على مجموعة من المقاربات المنهجية، أبرزها:
* مقاربة النشاط: التي تتيح النظر إلى القيم كجزء مكوّن لمعنى الأنشطة اليومية للأطفال.
* المقاربة الثقافية-التاريخية: التي تفسر اكتساب القيم من خلال الرموز، واللغة، والتفاعل الاجتماعي.
* المقاربة المتمركزة حول الطفل: التي تأخذ بعين الاعتبار الفروق الفردية، والخلفية الأسرية، والخصائص النفسية للأطفال، وتؤكد على ضرورة تقديم القيم في بيئة إيجابية خالية من الإكراه.
⸻
الجانب التطبيقي (التجريبي)
تم استخدام منهجية مختلطة في الجزء التطبيقي، شملت:
* الملاحظة التربوية المنظمة: حيث تم تتبع سلوك الأطفال وتفاعلاتهم اليومية خلال اللعب والأنشطة.
* المقابلات شبه المهيكلة: أُجريت مع المعلمات وأولياء الأمور لفهم كيفية تفسير القيم الوطنية في المنزل ورياض الأطفال، ومدى توافق أساليب التربية.
* تحليل المحتوى: شمل دراسة الخطط التربوية، والنصوص الأدبية المختارة، وسيناريوهات الألعاب، والعناصر البصرية في البيئة التعليمية (مثل الزوايا التعليمية والوسائل)، من حيث مدى ارتباطها بالقيم الوطنية.










