مصعب بن عمير

مصعب بن عمير

سفير الإسلام الأول

رحل إلى المدينة داعية ومعلماً لأهلها، فأسلم على يديه جمع من أهل المدينة الذين نصر الله بهم الإسلام ، وهو حامل الراية في بدر وأحد ، وقد حملها بحق حتى أكرمه الله بالشهادة ، فرضي الله عنه وأرضاه.

عظمة الأجيال فرع عن عظمة قادتها ومربيها، فما بالك بجيل قائده ومربيه وأستاذه المصطفى صلى الله عليه وسلم! إنه الجيل الذي أيس الزمان أن يحتضن مثله! إنه جيل الصحابة الأبرار، أمثال مصعب بن عمير، الذي صدق الله ما عاهده عليه، أول سفير في الإسلام، رحل إلى المدينة داعية ومعلماً لأهلها، فأسلم على يديه جمع من أهل المدينة الذين نصر الله بهم الإسلام، وهو حامل الراية في بدر وأحد، وقد حملها بحق حتى أكرمه الله بالشهادة، فرضي الله عنه وأرضاه.

حوار كريم دار بين مصعب مبعوث النبي ﷺ إلي يثرب ، وبين سيدين من سادات القوم ، أسيد بن حضير و سعد بن معاذ ، وكانا ما زالا على الشرك.

قال سعد لـ أسيد : لا أبا لك يا أسيد ! ألا تذهب إلى هذين الرجلين الذين أقبلا علينا في ديارنا ليسفها ضعفاءنا ، ازجرهما فأخذ أسيد بن حضير حربته وانطلق إلى مصعب بن عمير و أسعد بن زرارة اللذين ذهبا إلى حائط في دار بني ظفر في رحلة إلى دار بني عبد الأشهل ، وها هو مصعب الخير و أسعد بن زرارة يجلسان مع مجموعة ممن أسلموا لله جل وعلا في ذلك الحائط ، ويأتي أسيد ويركزحربته ويقف عليهما متشتماً قائلاً : ما الذي جاء بكما إلى ديارنا لتسفها ضعفاءنا؟! اخرجا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة! وينظر مصعب نظرة مبتسمة نظرة مشفقة حانية إلى سيد القوم ويقول له : أوتجلس فتسمع مني ، فإن كان خيراً قبلته ، وإن كان فيه شيئاً تكرهه عزلنا عنك ما تكره ، فقال أسيد : والله لقد أنصفت ، فركز حربته وجلس بين يدي مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه ، ويدعوه مصعب للإسلام ، ويقرأ عليه آيات القرآن التي لو تنزلت على الجبال لصدعتها ، فتتنزل آيات القرآن على قلب أسيد كحبات الندى على الزهرة الظمأى ، ويتفتح ذلك القلب النقي ، وتشرق شمس الاسلام في قلبه ، فيقول أسعد ومصعب : والله لقد عرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم .

فقال أسيد بن حضير : ما أحسن هذا الكلام وأجمله ، ما تصنعون إن أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ فقالا: تغتسل ، وتطهر ثوبيك ، وتشهد شهادة الحق ، وتصلي لله ركعتين .

فقام أسيد بن حضير الذي كان منذ لحظات إعصاراً يزمجر، وزلزالاً يهتز قام ليتحول إلى عصفور مبلل بماء المطرو نسمات الهواء ، ويقوم مسرعاً ليغتسل ويطهر ثوبيه ويشهد شهادة الحق بين يدي الداعية العظيم ، ويركع لله ركعتين ، ثم ينظرإلى أسعد بن زرارة و مصعب بن عمير ويقول : إن ورائي رجلاً هو سيد قومه لو اتبعكما لم يبق واحد من قومه بعد اليوم إلا على الإسلام ، وإني مرسله إليكما . وينطلق أسيد بن حضير ليتحرك فوراً لدين الله جل وعلا بعد أن شرح الله صدره ، ويذهب إلى سعد ، وينظر إليه سعد بن معاذ ، ويقول لقومه : أحلف بالله أن أسيد بن حضير قد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به ، ماذا فعلت يا أسيد ؟ قال : نهيتهما وزجرتهما ، ولم أر بهما بأساً ، وأجاباني إلى كل ما أريد ، وقالا لي : إن رأيت شيئاً تكرهه عزلنا عنك ما تكرهه ، ولكني سمعت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ، وقد علموا أنه ابن خالتك ليخفروك – أي: لينقضوا عهدك – فغضب سعد بن معاذ وقام غاضباً لما سمع من خبر بني حارثة ، وأخذ الحربة من أسيد بن حضير، وقال : ما أراك فعلت شيئاً ، وانطلق سعد بن معاذ غاضباً إلى مصعب بن عمير وصاحبه رضي الله عنهم وأرضاهم ، فوقف عليهما متشتماً ، وقال لـ أسعد بن زرارة : يا أبا أمامة ! والله لولا ما بيني وبينك من قرابة ما رمت هذا مني ، فقال له مصعب : أوتجلس فتسمع مني فإن رأيت خيراً قبلته ، وإن رأيت ما تكره عزلنا عنك ما تكره .

قال : والله لقد أنصفت ، وركز الحربة وجلس بين يدي مصعب رضي الله عنه وأرضاه ، فيعرض عليه مصعب الإسلام ، ويقرأ عليه القرآن ، وكانت فطرهم سليمة نقية تقية سرعان ما تتفتح إلى الحق ، فنظر سعد بن معاذ إلى الداعية الكبير وقال : والله ما أحسن هذا الكلام وأجمله ، فما تصنعون إذا أدرتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ فقالا: تغتسل ، وتطهر ثوبيك ، وتشهد شهادة الحق ، وتصلي لله ركعتين .

قال ابن الأثير في كتابه “أسد الغابة في معرفة الصحابة”: “كان مصعب بن عمير من فضلاء الصحابة وخيارهم ومن السابقين إلى الإسلام ، أسلم ورسول ﷺ في دار الأرقم ، وكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه ، وكان يختلف إلى رسول الله ﷺ سراً فبصر به عثمان بن طلحة يصلي ، فأعلم أهله وأمه فأخذوه فحبسوه فلم يزل محبوساً إلى أن هاجر إلى أرض الحبشة وعاد منها إلى مكة ، ثم هاجر إلى المدينة بعد العقبة الأولى ، ليعلم الناس القرآن ويصلي بهم”.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (نظر النبيﷺ إلى مصعب بن عمير مقبلاً عليه إهاب كبش قد تنطّق به ، فقال النبيﷺ : انظروا إلى هذا الرجل الذي نوّر الله قلبه ، لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب ، فدعاه حبّ الله ورسوله إلى ما ترون ) . وقال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه : ” كنا قوماً يصيبنا صلف العيش بمكة مع رسول الله ﷺ وشدته ، فلما أصابنا البلاء اعتزمنا لذلك ، وصبرنا له ، وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة ، وأجوده حلة مع أبويه ، ثم لقد رأيته جهد في الإِسلام جهدا شديدا .

وفي شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة النبوية وبعد انتهاء القتال في غزوة أحد ذهب النبي ﷺ إلى ساحة المعركة يتفقّد أحوال الجرحى والشهداء ، فرأى الكثير قد فاضت أرواحهم ، منهم : مصعب بن عمير رضي الله عنه ، قال ابن القيم في كتابه : “صفة الصفوة”، وابن سعد في الطبقات قال : حمل مصعب اللواء يوم أحد فلما جال المسلمون ثبت به مصعب فأقبل ابن قميئة فضرب يده اليمنى فقطعها ومصعب يقول : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل } ، وأخذ اللواء بيده اليسرى فضربها فقطعها ، فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول : { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ } ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فانفذه”. وقال المباركفوري: “وقاتل مصعب بن عميربضراوة بالغة ، يدافع عن النبي ﷺ وكان اللواء بيده ، فضربوه على يده اليمني حتى قطعت ، فأخذ اللواء بيده اليسري، وصمد في وجوه الكفار حتى قطعت يده اليسري ، ثم برك عليه بصدره وعنقه حتى قتل ، وكان الذي قتله هو ابن قميئة ، وهو يظنه رسول الله ﷺ لشبهه به”.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه : ( أن رسول الله ﷺ حين انصرف من أحد مرَّ على مصعب بن عمير وهو مقتول ، فوقف عليه رسول الله ﷺ ودعا له ثم قرأ هذه الآية : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}(الأحزاب: 23) ، ثم قال رسول الله ﷺ: أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزروهم ، والذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه ). رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي

جمعه ونقحه

أبو الندى

محمود فوزي الموجي