كبرنا ونسينا قلوب الصغار …

المشكلة إنه كبرنا ونسينا قلوب الصغار. 

 

الكاتب: محمد نبراس العميسي

 

 

لماذا كبرنا ولم نظل أطفالًا إلى الأبد؟

سؤال ساذج؟ أعلم؛ لكنه يوجع القلب أكثر مما يفعل ألف سؤال عن السياسة أو القدر!

ربما لأننا كبرنا دون أن ننتبه، وكنا نظن أننا فقط نُطيل القامة، نبدل الحقائب الصغيرة بحقائب أكبر، ونستبدل أقلام الرصاص بالجاف، ونفرح بألوان الزي الذي يتبدل من عام لآخر، ونتحول من دراجات إلى سيارات، ومن أحلام بسيطة إلى خطط للمستقبل. 

من البكاء لأن اللعبة انكسرت، إلى التظاهر بالقوة حين ننكسر نحن!

لم نكن نعلم أن كل خطوة نحو النضج تسرق منا شيئاً لا يعود.

لماذا لم يخبرنا أحد أن النضج ليس مكافأة، بل ثمن؛ ندفعه على أقساط من أرواحنا، كلما فقدنا دهشة الأشياء الصغيرة. 

لم نكن نعلم أن كل خطوة نحو «العقل» تسرق منا جزءاً من «القلب»، وأننا حين كنا نتمنى أن نصبح كباراً، كنا نوقع دون أن ندري على عقد نهائي مع الحنين.

أقول لأولاد أختي الصغار «خليكم صغيرين.. لاتكبروا أبداً».

فيضحكون.أضحك بدوري، وأشرد: 

 

كبرنا..حينما لم نعد نقطع درجات السلم قفزاً، لأننا تأخرنا عن «موعد مهم».

كبرنا..حين أصبحنا نضحك بصوت خافت، ونخجل من الفرح كأنه خطيئة.

كبرنا.. حين بدأنا نحسب الأيام بالرواتب والفواتير، لا بالإجازات والمفاجآت.

كبرنا.. حين ماتت فينا العفوية، وصار لكل مشاعرنا «توقيت مناسب».

كبرنا… ولم نعد ننتظر العيد كما كنا، ولا نفرح بالملابس ونحتضنها حتى الصباح، ولا نحكي للأصدقاء قصصنا بنفس الشغف والاندفاع، ثم صرنا نضحك أقل، ونفكر أكثر، ونخاف من الغد كما لو كان فخاً منصوباً في آخر الطريق.

كبرنا.. حين اكتشفنا أن ليس كل من يقول «ارجع بالسلامة» ينتظر عودتنا فعلاً، وحين عرفنا أن أكثر الناس قرباً يمكن أن يكونوا أبعد من البعيدين.

 

أين ذهب أولئك الذين كنا هُم؟

وقتما ظن كلٌ منا أن العالم مكانٌ آمن، لأن أمه دائماً هناك، ولأن المساء ينتهي بكوب من لبن دافئ ودعاء.

 

في النهاية.. 

ما أتعس أولئك الذين لم يكبروا تماماً…

أولئك الذين يتقنون التمثيل لا أكثر، يرتدون ملامح الكبار في النهار، ثم يغفون ليلاً على وسادة ممتلئة بطفل صغير، ما زال ينتظر أن يسمع أحدهم يقول له:

«ليش جالس مخلّي اللمبة والعة وتقرأ القصص اللي بتوجع عينيك هذه!»

فيبتسم.. ويضع الكتاب بجانبه، ثم يحتضن الوسادة.. وينام..