
الصامتون.. أغلبية لا تُرى ولكنها تُقرر
لا تسمع لهم صوتاً في الفضائيات، ولا تراهم يتصدرون المشاهد، ولا تقرأ أسماءهم في عناوين الأخبار. لا يصرخون في الميادين ولا يبيعون وجعهم على قارعة السوشيال ميديا. هم هناك، في الظل، يحملون الحياة على أكتافهم بصمت، ويمضون.
هم المعلم الذي يدخل الفصل كل صباح وفي جيبه راتب لا يكفي، لكنه يشرح الدرس كأنه يبني وطناً. والطبيب الذي يقف في الطوارئ ست عشرة ساعة، يخيط الجرح ويبتسم للمريض، ثم يعود لبيته منهكاً دون أن يشتكي. هي الأم التي تصحو قبل الفجر لتخبز وتغسل وتدرس وتربي، ولا تطالب بمقابل سوى كلمة الحمد لله أولادي بخير .
هؤلاء هم الصامتون. الأغلبية التي لا تُرى في استطلاعات الرأي، ولا تُحسب في بورصات الضجيج. لكنهم هم الذين يقررون في النهاية. هم الذين يمسكون البلد من أن تسقط. فإذا انقطع التيار الكهربائي أضاءوا بيوتهم بشمعة وكملوا شغلهم. وإذا غلا السعر بدلوا في قائمة الطعام وسكتوا. وإذا خذلهم الكبار، عادوا إلى صغارهم فربوهم على أن الشرف لا يُشترى.
مشكلتنا أننا صرنا نحتفي بالضجيج وننسى السند. نكرم من يملك مكبر صوت، ونتجاهل من يملك ضميراً. نلتقط صورة مع المشهور، ونمر مرور الكرام على عامل النظافة الذي جعل الشارع صالحاً للمشي. نكتب عن الفضائح بالصفحات، ولا نكتب سطراً عن الشرفاء الذين لم يتلطخوا.
والخطر ليس في تجاهلهم فقط. الخطر أن الصامت إذا طال صمته يتحول. إما أن ينكسر فيصبح رماداً، أو أن يستفيق فيصبح سيلاً لا يوقفه أحد. التاريخ لا يكتبه الصارخون دائماً. كثيراً ما كتبه رجل صامت قرر في لحظة أن “كفى”.
الكرامة التي كتبنا عنها بالأمس لا تكتمل إلا إذا حمينا هؤلاء. الكرامة أن لا تجعل الشريف يشعر بأنه مغفل. الكرامة أن تعطي المعلم حقه قبل أن تطالبه بتربية الأجيال. الكرامة أن توفر للطبيب دواءً يعالج به، وللأم أماناً تنام به.
الوطن لا يبنيه الخطباء وحدهم. يبنيه أيضاً عامل البناء الذي يرفع الطوبة رقم ألف وهو صائم. وتبنيه الممرضة التي تمسح جبين المريض بيدها. ويبنيه الجندي المجهول الذي يقف على الحدود والبرد يأكل أطرافه ولا أحد يتذكره.
لذلك، وقبل أن نطالبهم بالمزيد، فلنلتفت إليهم. قل لهم “شكراً” بصوت مسموع. اكتب عنهم. لا تجعلهم يشعرون أن صمتهم عقوبة. لأنهم إن صمتوا أكثر من اللازم، سيأتي يوم لا نجد فيه من يحمل عنا.
حينها فقط سنفهم أن الصامتين لم يكونوا ضعفاء. كانوا هم الحائط الأخير. وحين ينهار الحائط، ينهار كل شيء.
بقلم طارق عبدالرحمن محمد ود الفكي
رفعت للتصميم













