اِمْرَأَةٌ شَعْرُهَا أَبْيَضُ

اِمْرَأَةٌ شَعْرُهَا أَبْيَضُ

بهائي راغب شراب

..

وَحِيدَةٌ،

تَجْلِسُ عَلَى الْمَقْعَدِ الْبَارِدِ

في لجة الظّلام المخيّم

فِي مَحَطَّةِ الْقِطَارِ الْقَدِيمَةِ،

تَنْتَظِرُ أَنْ يَعُودَ

حُلْمُهَا المسافر

في مهمّة لم تنتهِ.

 

آخِرَ مَرَّةٍ رَأَتْهُ،

وَهُوَ يُوَدِّعُهَا بابتسامة..

لم تعرف كنهها حينئذ.

أَقْسَمَ لَهَا

أَنَّهُ سَيَعُودُ

عِنْدَ أوّل بُزُوغٍ للْقَمَرِ الْجَدِيدِ.

 

مُنْذُ ذَاكَ الْيَوْمِ،

وهي تحمل همّه

تَرُوحُ وَتَجِيءُ إِلَى الْمَحَطَّةِ،

تَنْتَظِرُهُ بِشَغَفِ الوالهة

لا تريده أن يشعر بالعراء

عندما يرجع إليها

بلا قيود.

 

كانت تَحْمِلُ بَاقَةَ وَرْدٍ،

تجدّدها كلّ مساء

تُقَدِّمُهَا لَهُ

بِحُبٍّ أَعْظَمَ مِنْ شَجَرَةِ الْكِينَا الْجَبَلِيَّةِ

الَّتِي زَرَعَتْهَا مِنْ أَجْلِهِ،

لِتَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَرَاهَا

عِنْدَمَا يَعُودُ.

 

تكره أَنْ يَعُودَ فَلَا يَجِدَهَا،

سَتَنْتَظِرُهُ ..

في كلّ الفصول.

 

لَقَدْ أَخْبَرَهَا وَهُوَ يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ:

قَلْبُهُ مَعَهَا سَيَظَلُّ،

وَهُوَ..

لَنْ يَغِيبَ.

 

آهِ لِشَعْرِهَا الْأَسْوَدِ الطَّوِيلِ،

تَحَوَّلَ إِلَى الْأَبْيَضِ،

وَكَأَنَّهَا تَقِفُ عَلَى حَافَّةِ النِّهَايَةِ.

 

وهِيَ سنة وراء سنة

لَمْ تَزَلْ

تُصَدِّقُ قلبها

نَعَمْ، سَيَعُودُ،

يَجِبُ أَنْ يَعُودَ،

سَيَفِي بِالْقَسَمِ،

لَمْ يُخْلِفْ عَهْدَهُ مَعَهَا أَبَدًا،

لَمْ يُغَادِرْ حُلْمَهَا الْبَعِيدَ،

لَمْ يَزَلْ يَسْكُنُهَا،

سَيَعُودُ.

 

فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ،

الظَّلَامُ حَالِكٌ،

وَالسَّمَاءُ بِلَا قَمَرٍ،

وَالْمَحَطَّةُ فَارِغَةٌ،

لَا رُكَّابَ يَنْزِلُونَ مِنَ الْقِطَارِ،

لَا مُسَافِرُونَ يُغَادِرُونَ،

الْمَحَطَّةُ مُنْهَكَةٌ،

لا أحد يرغب بها

أسقطوها من جدول المواعيد.

 

وَالْقِطَارُ مَرَّ سَرِيعًا،

أَطْلَقَ صَفَّارَتَهُ الْأَخِيرَةَ

فِي الْفَرَاغِ الْمُؤَبَّدِ،

بِلَا حُلْمٍ،

بِلَا اِمْرَأَةٍ شَعْرُهَا أَبْيَضُ،

بِلَا يَوْمٍ جَدِيدٍ.

 

عارية..

بلا ذكريات..

تدفئ قلبها..

اليتيم.

رفعت للتصميم