أزرارُ الإعراب

أجلسُ إلى جواره طويلاً، حتّى ينسى أنّه تشخيصٌ أو استعارةٌ، ويقتنعَ بأنّه ذاكرةٌ خُلِقَت لتُقرأ بالأصابع.

أفكُّ الزّرَّ الأوّل، فتسقطُ من كتفه حمامة، وأفكُّ الثّاني، فتتدحرجُ مدينةٌ كانت تتخفّى في جيبه.

وأفكُّ الثّالث، فتخرجُ طفولةٌ تحملُ رائحةَ الطّين، وتسألني إن كنتُ أعرفُ اسمَها القديم.

أخلعُ عنه النّحوَ، فأكتشفُ أنَّ الفاعلَ الّذي ظلّتِ اللغةُ تبحثُ عنه، كان قلبَه،وأنَّ المفعولَ به لم يكن سوى وجعه.

ثم أنزعُ عنه الصّرفَ،فتتساقطُ تصاريفُه القديمة،وأراه للمرّة الأولى بلا جمعٍ ولا تثنية،بلا ماضٍ يُثقله، ولا مضارعٍ يعِدُهُ بشيء.

أحلُّ عقدةَ المعاني عن صدره،فتنكشفُ نيّاتٌ خبّأَتها الجملةُ خلف ترتيبها.

وأخلعُ البيانَ،فتسقطُ الاستعارةُ عن كتفيهِ، و التّشبيهُ عن وجهه، ولا يبقى سوى حقيقةٍ لا تحتاجُ إلى أن تشبهَ شيئاً

ثم أنزعُ عنه قميصَ البديع فيهوي الجناسُ والطّباقُ والمقابلةُ كحليٍّ قديمة ،وأرى ندوبَ الحقيقةوقد أخفتها المُحسّناتُ البديعيّةُ سنواتٍ طويلةٍ.

أمدُّ يدي إلى العَروض،فأضعُ أصابعي على صدره،فلا أجدُ بحراً، بل أجدُ قلباً يحاولُ أن يتذكّرَ إيقاعه الأوّل.

أفتحُ معجمه،فتخرجُ الكلماتُ من جيوبِه عاريةً من شروحها،كلُّ كلمةٍ تبحثُ عن معناها قبل أن تبحثَ عن قائلها.

ثم أفتّشُ عن الإعراب،فأجدُ الرفعَ في كبريائهِ والنّصبَ في انكساره ،والجرَّ في ذاكرتِه،والجزمَ في كلِّ شيءٍ لم يستطعْ قوله.

أزيحُ عن صدره آخرَ صورة،فأسمعُ قلبَه لايخفق بل يُصحّحُ أخطاءَ العالم.

وحين أظنُّ أنّني بلغتُه،أكتشفُ أنّني كنتُ أخلعُ ثيابي أنا،طبقةً بعد طبقةٍ ،حتّى وقفتُ عاريةً من فهارسي.

وعندما نهض،لم يترك على الفراش شيئاً إلّا عنوانًا.

وكان العنوانُ وحده كافياً ليَلِدَ قصيدةً كاملةً.                     لمى بدور

رفعت للتصميم