
الموروث السلوكي للأم وأثره في تكوين أبناء الأندلس
لا يقتصر أثر الأم في تكوين أبنائها على ما تمنحه لهم من مادة وراثية تنتقل عبر الجينات، فقد يتجاوز ذلك إلى موروث آخر أكثر خفاءً وأشد حضورًا في تشكيل الشخصية، وهو الموروث السلوكي والثقافي، فالطفل لا يولد حاملًا للصفات الجسدية وحدها، وإنما يولد داخل بيئة تبدأ بتشكيله منذ اللحظة الأولى؛ يسمع لغة أمه، ويرى طريقتها في التعبير، ويتلقى منها الإيقاع اليومي للحياة، ويتعلم منها بصورة مباشرة وغير مباشرة طرائق التعامل مع الأشياء والناس والمجتمع.
وإن الحديث عن أثر الأم في الابن ينبغي ألا يحصر في علم الوراثة الجينية، لأن جانبًا كبيرًا من شخصية الإنسان يتكون من خلال التنشئة والمحاكاة والتكرار، فالطفل يقضي سنواته الأولى في بيئة تكون الأم فيها أحد أهم مصادر اللغة والعاطفة والعادات والسلوك، ولذلك يمكن أن تنتقل منه إليها أنماط من التعبير والذوق والتعامل قد تظل ملازمة له طوال حياته، وهنا يمكن أن نقترب من التجربة الأندلسية، حيث لم يكن المجتمع العربي في الأندلس مجتمعًا مغلقًا على عنصر واحد، فقد كان مجتمعًا متعدد الأصول والثقافات، التقت فيه العربية بثقافات محلية مختلفة، وامتزجت فيه عناصر عربية وإيبيرية وأعجمية، وكان الزواج والتعايش والتجاور بين الجماعات المختلفة من العوامل التي جعلت البيت الأندلسي نفسه فضاءً للتلاقح الثقافي.
ومن أكثر المساحات تأثيرًا في هذا التلاقح مساحة الأم؛ لأن الأم كانت حاضرة في التربية الأولى للطفل، وكانت اللغة التي يسمعها في البيت، والعادات التي يشاهدها، وطريقة التعبير عن الفرح والحزن والغضب والمحبة، كلها تدخل في تكوين شخصيته قبل أن يبدأ وعيه النقدي في التمييز بين ما هو عربي وما هو أعجمي.
فإذا كانت الأم من أصل غير عربي، فإن أبناءها قد يتلقون منها، إلى جانب الثقافة العربية السائدة، بعض عناصر ثقافتها الأصلية، سواء في اللغة أو العادات أو أنماط الطعام أو الموسيقى أو الحكايات أو طريقة التعبير العاطفي، ولا يعني ذلك أن الابن يرث هذه الأمور جينيًا، وإنما يكتسبها من خلال المخالطة والتربية والمحاكاة، ثم يعيد تشكيلها داخل البيئة التي يعيش فيها، و يمكن فهم جانب من خصوصية الشخصية الأندلسية؛ فهي لم تكن صورة مطابقة للشخصية المشرقية، رغم أن جذورها اللغوية والثقافية عربية إسلامية، فقد نشأت في بيئة مختلفة، واحتكت بثقافات متعددة، واكتسبت من هذا الاحتكاك أنماطًا من الحس والتذوق والنظر إلى الجمال والطبيعة والموسيقى والعلاقات الاجتماعية، وكانت الأم في هذا السياق واحدة من أهم القنوات التي عبرت من خلالها العناصر الثقافية من جيل إلى آخر. فالبيت ليس مؤسسة تعليمية رسمية، ولكنه أول مدرسة يتعلم فيها الطفل اللغة والسلوك، وفيه تتكون الكثير من الصور الذهنية التي يصعب على الإنسان التخلص منها لاحقًا؛ لأن ما يتكرر في الطفولة يتحول مع الزمن إلى جزء من البنية النفسية والاجتماعية للفرد.
ولذلك يمكن القول إن أبناء الأندلس الذين نشؤوا في أسر مختلطة ثقافيًا كانوا يعيشون نوعًا من التعدد داخل ذواتهم، فقد يسمعون العربية في المجال العام، وربما يسمعون في البيت ألفاظًا أو تعبيرات ذات أصل محلي، ويشاهدون عادات متداخلة، ويتلقون ذوقًا موسيقيًا متنوعًا، ثم يحملون هذا كله إلى حياتهم العلمية والأدبية والفنية، ومن تظهر أهمية اللغة، كطريقة في رؤية العالم، والكلمة التي يتعلمها الطفل من أمه تحمل معها ذاكرة ثقافية كاملة، فإذا تداخلت العربية مع الألفاظ المحلية والأعجمية، نشأ نوع من التفاعل اللغوي الذي يمكن أن يظهر لاحقًا في الأدب والشعر والغناء، وهذا الجانب يساعدنا على فهم بعض خصائص الأدب الأندلسي، ولا سيما الموشحات والأزجال، فقد ظهرت في البيئة الأندلسية أشكال شعرية ذات بناء مختلف عن القصيدة العربية التقليدية، كما ظهرت الخرجة في الموشحة، وقد ترد فيها ألفاظ عامية أو أعجمية، وليس من الدقة أن ننسب نشأة الموشحات كلها إلى العامل اللغوي وحده، فقد شاركت الموسيقى والغناء والتطور الفني والاجتماعي في نشأتها، لكن التعدد اللغوي كان أحد العوامل التي أسهمت في تشكيل خصوصيتها.
وفي هذا المعنى يمكن أن نفهم العبارة التي نقلها ابن بسام عن مقدّم بن معافر القبري بأنه «كان يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه: المركز، ويصنع عليه الموشحة». فالمفردة الأعجمية لم تبقَ خارج العربية، وإنما دخلت في فضاء فني جديد، وأصبحت جزءًا من نسيج أندلسي يجمع بين مستويات لغوية وثقافية متعددة.
وهنا تتضح العلاقة بين الأم واللغة والثقافة، فحين تكون الأسرة متعددة الأصول، فإن الطفل قد لا يرث من أمه «صفة فكرية» بالمعنى الجيني، لكنه قد يرث عنها منظومة من العادات والتصورات وأنماط التعبير، ومع مرور الزمن تصبح هذه العناصر جزءًا من الذاكرة الجماعية، وقد تنتقل من البيت إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى الأدب والفن.
ولعل هذا يفسر جانبًا من الرقة الحسية التي ظهرت في الأدب الأندلسي، ولا سيما في وصف الطبيعة والجمال والموسيقى، إذ الأندلسي عاش في بيئة طبيعية مختلفة عن البيئة الصحراوية التي تشكلت فيها القصيدة العربية القديمة، وأصبح الروض والماء والنهر والحديقة والقصر والنسيم عناصر أساسية في تجربته الجمالية.
غير أن هذه التجربة لم تقطع صلتها بالموروث العربي، فقد ظل الشاعر الأندلسي يستعمل اللغة الفصحى، ويستدعي صورًا ومفردات عربية قديمة، ثم يضعها داخل بيئة جديدة، و حدث نوع من التفاعل بين الموروث العربي والمحيط الأندلسي، وهو تفاعل يمكن تسميته بالتلاقح الثقافي أو السلوكي، لا بالوراثة الجينية، وهذا التمييز مهم جدًا؛ لأن القول بأن أبناء الأندلس «ورثوا صفات فكرية من الأعجميات» بالجينات سيكون تعميمًا علميًا لا يمكن إثباته بهذه الصورة، أما القول بأن أبناء الأندلس تأثروا بأمهاتهم غير العربيات من خلال التربية واللغة والعادات والمخالطة، فهو تفسير اجتماعي وثقافي يمكن مناقشته في ضوء طبيعة المجتمع الأندلسي وتكوينه المتعدد.
فالفكر لا ينتقل من الأم إلى الابن كما ينتقل لون العين أو فصيلة الدم، وإنما تتشكل
رفعت للتصميم













