الحائط المتهالك 

في أقصى يمين الغرفة القديمة، كان يقف “الحائط المتهالك”.

لم يكن مجرد جدار من جير ولَبِن، بل كان سجلاً حياً لسنواتٍ طوال. تناثرت على سطحه التشققات كأنها خريطة لأزمنة غابرة، وتساقط منه الطلاء الأبيض ليتحول إلى بقايا رمادية تشبه التجاعيد على وجه رجل أرهقه العمر.

كل صباح، كان “عمر” يجلس أمامه ومعه فرشتان وعلبة طلاء جديدة. ينظر إلى الفجوات الغائرة في الجدار، ويحدث نفسه: «اليوم سأغطي كل هذه العيوب، سأعيده جديداً كما كان».

يبدأ بالطلاء.. يفرش اللون الأبيض الناصع بمهارة، يملأ الصدوق، ويمسح الآثار القديمة. وبحلول المساء، يبدو الجدار كأنه وُلد من جديد؛ أملس، ناصع، وخالٍ من أي أثر للزمن. يبتسم عمر برضا، وينام وهو يشعر بأنه انتصر على الوقت.

لكن، مع حلول الليل وسكون البيت، يبدأ الجدار في التأوه ببطء.

سماكة الطلاء الجديد تخنق الذكريات المحفورة تحته؛ تخنق خربشات طفولته التي رسمها وهو في الخامسة، والأرقام التي تسجل طوله عاماً بعد عام، وآثار أيدي أفراد عائلته الذين غادروا البيت ولم يعودوا.

وعندما تشرق شمس الصباح، يستيقظ عمر ليجد المفاجأة: الطلاء الجديد قد تجفّف وتشقّق، متساقطاً على الأرض كرقاقات ثلجية يابسة، ليعود الحائط المتهالك كما كان.. بصدوعه القديمة وذكرياته الغائرة.

تكرر الأمر أياماً وأسابيع. طلاءٌ بالنهار، وتساقطٌ بالليل.

في أحد الأيام، جلس عمر أمام الحائط خالي الوفاض، دون فرشة أو طلاء. أطال النظر في تلك التشققات، ولمس بأصابعه فجوة عميقة بالمنتصف. تذكر فجأة.. هذه الفجوة صنعتها ضربة تعثر بها وهو يركض في طفولته. وبجانبها، ذلك الأثر الدائري الصغير كان بقعة شاي أهرقتها أمه في ليلة شتاء دافئة.

احمرّت عيناه، واستوعب الحقيقة لأول مرة: الجدار لم يكن يرفض الطلاء كبراً أو عناداً، بل كان يحمي الذكريات. كان يرفض أن يدفن تاريخه تحت طبقة زائفة من الكمال المطلق.

ابتسم عمر، ومسح الغبار عن الجدار بلطف. أرجح علبة الطلاء جانباً، وأمسك بإطار خشبي صغير يضم صورة قديمة لبيته وعائلته، وعلّقه تماماً فوق أكبر تشقق في الجدار.

لم يعد الحائط متهالكاً في عينيه، بل أصبح لوحة أثرية صادقة.. تتنفس بالماضي، وتفسح مكاناً للغد.

تمت

أحمد عيسى

رفعت للتصميم