عناق الموج والغياب

بقلم نوال ادريس أبخاطره

في رزنامة الأيام، تتشابه الصفحات وتتكرر التواريخ، حتى يأتي يومٌ لا يشبه إلا نفسه، يومٌ لا يُذكر إلا ويسبقه الوجع، ولا يُستعاد إلا وتغالبه الدموع. هكذا كان الحادي والثلاثون من يوليو في سجل عائلتنا؛ ليس تاريخًا عابرًا يُشار إليه، بل جرحًا يتجدد، وحدًّا فاصلاً بين حياةٍ كان فيها طه، وحياةٍ صارت بعده.

ليست مرارة الفقد شعورًا يزول، بل هي وجعٌ يستوطن الأعماق، يقتلع من الروح قطعةً لا تُعوَّض، ويترك مكانها فراغًا أبديًا، لا تملؤه كلمات العزاء، ولا ترممه مرارة الانتظار، ولا يمحوه تقادم الزمن. ويشتد هذا الوجع قسوةً حين يدركك الخطب بعيدًا عن أهلك ووطنك، فتقف على حافة المصيبة بلا ذراعٍ تحتويك، ولا كفٍّ تربت على كتفك، ولا فرصةٍ أخيرة لتوديع من رحل. حينها، تتحول الغربة إلى منفيين: منفى الجسد عن المكان، ومنفى الروح عن أهلها، فيصبح الحزن أثقل، ويصير الاحتمال شبه مستحيل.

ما زلت أذكر تلك الليلة، وكأن عقارب الساعة توقفت عندها إلى الأبد. كانت الرابعة فجرًا في سماء السلطنة، حين تسللت إلى هاتفي رسالةٌ من جارةٍ لنا في ليبيا. رسالة قصيرة غامضة، لكنها حملت في سطورها القليلة ما يكفي لتحويل سكون الليل إلى زلزال في صدري. كتبت: «الله يرحمه»، ثم أضافت أنه شابًا في مقتبل العمر، وأن خبر موته هزّ الحي هزًا… ثم صمتت. لم تذكر اسمًا واختفت.

ظللت أحدق في الشاشة، ويداي ترتجفان ارتجافة من يمسك بقلبه لا بهاتفه. تيبّس الدم في عروقي، وشعرت يقينًا أن الفاجعة قد حلّت ببيتنا، لكنني لم أدرِ بمن حلّت. كان ذلك هو العذاب بعينه: أن تبكي ميتًا لم تعرف اسمه بعد، أن تنهار لفقدٍ لم يتأكد، أن تقف على حافة الهاوية راجية أن يكون حدسك كاذبًا، وأن تلد الساعات القادمة حقيقةً أقل قسوة مما صورته مخيلتك.

لكن الساعات مرت ثقيلة كالرصاص، بطيئةً كأن الزمن أصابه ما أصابني من شلل. غفوت غفوةً تشبه الهذيان، ثم استيقظت مذعورةً

أقلب صفحات الفيسبوك بيدين مرتجفتين، أبحث عن أي شيء يفسر تلك الرسالة. وهناك، وجدت الحقيقة التي لا تُرد. كان ابن أختي عيسى قد نعى فقيد العائلة، يعزي نفسه وأهلنا في مصابهم. قرأت الكلمات متمهِّلة كمن يحاول إرجاء انهيار السد، لكن الحقيقة كانت كالسيل الجارف: كان الفقيد… طه. ابن أخي جمال.

عندها، توقفت الحياة. انهارت كل قواي، وأخذت أردد بصوت متحطم: «لا… ليس طه». كنت وحيدةً في البيت، أواجه وجعًا يفوق طاقة البشر. بكيت حتى اختنق صوتي، وانقطع نفسي، وأدركت أن الغربة ليست مجرد بعدٍ جغرافي، بل هي جدارٌ يحبسك خارج المشهد، حين يكون أقرب الناس إليك في قلب العاصفة، فلا أنت قادر على احتضانهم، ولا هم قادرون على سماع بكائك.

ثم، وكأن الألم وحده لا يكفي، راحت ذاكرتي تستدعي ملامحه؛ ابتسامته التي لا تغيب، صوته الدافئ، مشيته الهادئة، كل لقاء جمعني به، وكل ضحكة شاركني إياها. صارت الذاكرة لا تواسيني، بل تضيف إلى النار نارًا. اتصلت بأسرتي واحدًا تلو الآخر، أبحث عن عزاء في أصواتهم، أحاول أن أواسيهم، بينما كنت أنا أشدّ حاجةً لمن يواسيني. ولم أكن أعلم أن تفاصيل رحيله ستكون أشد إيلامًا من الخبر نفسه، وأن ما فعله طه في ساعاته الأخيرة سيجعله خالدًا في القلوب أبدًا.

لم يكن طه مجرد ابن أخ، بل كان البهجة الأولى، والربيع الذي طال انتظاره. فبعد سنين من الترقب، جاء الابن البكر لأخي جمال، فكبر في قلوبنا قبل أن يكبر بين أيدينا. كان شابًا يحمل نقاءً نادرًا، ووجهًا عرفته الابتسامة حتى صارت لا تفارقه. عرفه الناس بدماثة خلقه، وبره بوالديه، وحرصه على صلاته، وحبه لفعل الخير. كان يرسم مستقبله بحماس، ينتظر يوم تخرجه، ويبني أحلامًا كبيرة. لكن القدر كان ينسج له ثوبًا آخر.

في ذلك اليوم، لم يكن طه ينوي الذهاب إلى البحر، ولم يكن البحر من الأماكن العزيزة على قلبه. لكن دافع المحبة والمسؤولية تجاه إخوته الصغار وابن خالته الزائر، حمله على مرافقتهم. كانوا على موعد مع العودة إلى بنغازي، حيث أمه حميدة تتلقى العزاء في وفاة والدها. وكأن الأقدار صفّت المشهد الأخير بهدوء قبل العاصفة: فقبل أن ينزلوا إلى الماء، أمّهم طه في صلاة العصر. وقف إمامًا خاشعًا مطمئنًا، لا يعلم أنها آخر صلاة يؤمها، وآخر عهد له بالدنيا.

وبعد دقائق، انقلب كل شيء. تعالت صرخات الاستغاثة من عرض البحر، ولم يتردد طه لحظة. اندفع كالسهم، لا يبالي بالخطر، همه الوحيد أن يطمئن على من معه. قاوم الأمواج بشراسة، ينتقل من واحد إلى آخر، يدفعهم نحو النجاة، حتى كتب الله لهم الحياة جميعًا. أما هو… فقد صارعه البحر حتى الرمق الأخير، واستنزف الموج كل قوته، فأسلم روحه الطاهرة إلى بارئها، بعد أن وهب حياته قربانًا لمن أحب.

حمله الناس مسرعين، يمنّون النفس بأنه أغمي عليه، ويسابقون الزمن إلى أقرب نقطة تفتيش، لكن القدر كان قد سبقهم. وهنا، بدأت رحلةٌ أخرى من الألم، أشد غرابةً وقسوة.

حين وصل الجثمان إلى نقطة التفتيش، كان عمه يوسف في نوبته. رأى الجثمان يُحمل، وتقدّم ليساعد كعادته، لكنه حين وقعت عيناه على الوجه تجمّد في مكانه. كان طه… ابن أخيه وفلذة كبده. في تلك اللحظة، انكسر قلبه انكسارًا لا يرممه الزمن. لم يكن ذلك الشاب الحيوي المبتسم الذي عهده، بل جسد أنهكه الصراع، وعاد إليه الموج ليودعه على طريقته. وقف يوسف عاجزًا، لا يملك إلا دموعه، وكأن البحر أراد أن يعيد إليه طه ليكون هو مستقبله الأخير.

أما عمه غيث، فقد شاءت الأقدار أن يحمل الدور الأثقل: تولى تجهيزه للغسل والكفن. وقف أمام الجسد الطاهر، يغسله بيدين ترتجفان وقلب يتقطع ألمًا. كان يودعه في كل حركة؛ في الماء الذي يمر على وجهه، في التكفين، في آخر نظرة قبل أن يُوارى الثرى. لم تكن تلك طقوسًا، بل كانت وداعًا ممزقًا على مهل، يمزق فيه قلبه مرة بعد أخرى.

وكان لجده معه لقاءٌ أخير، هيأته السماء دون سابق إنذار. فقبل ساعات من الرحيل، زار طه جده قُبيل العصر، وجلس معه بكل حب، وسأله بصوت يفيض حنانًا: «أتريد شيئًا يا جدي؟ أخبرني ولا تتردد». لم يعلما أنه لقاء الوداع. صارت تلك الكلمات، ونبرة صوته، وملامحه في ذلك المجلس، كنز الجد الذي لا يفنى، وذكراه التي لا تموت.

أما أخي جمال، فقد ذاق الموت في صورة الفقد. لم يفقد ابنًا فقط، بل فقد بكره، حلمه المؤجل، وثمرة سنين الانتظار. منذ ذلك اليوم، تغيرت ملامحه، وسكن الحزن تجاعيده، وصار يحاول أن يبدو قويًا أمام أسرته، لكن عينيه تفضحان أن قلب الأب لا يتجاوز، بل يتعلم أن يمشي بالوجع بصمت.

وأمه، تلك المرأة التي عهدنا فيها الصبر كالجبل، وقفت تستقبل العزاء في فلذة كبدها بعد أيام من عزاء والدها. كانت تتماسك أمام الناس، تردد أن هذه سنة الحياة، لكنها حين تختلي بنفسها، تستعيد خطواته في أرجاء البيت، وتنظر إلى مقعده الفارغ، وتهمس باسمه بصوت مبحوح، بينما قلبها يصرخ صراخًا لا يسمعه إلا الله.

ولم يكن طه حبيب أسرته وحدها، بل كان حبيب الحي كله. كتب عنه أحد الجيران مقالًا مؤثرًا، وصفه فيه بأنه ،نوّارة الحي، روح نقية تبعث الطمأنينة، ويد للخير لا تنقطع، ووجه لا يعرف إلا الابتسامة. وهكذا كان طه… رحل شابًا، لكن سيرته بقيت أكبر من عمره، تاركًا في كل قلب قصة، وفي كل بيت ذكرى، وفي كل روح فراغًا لا يسده أحد.

ويبقى في قلبي وجع آخر، لا يعرفه إلا أنا… وجع تلك اللحظة العالقة بيني وبينه، كغصة لا تذوب. كان يحدثني بحماس عن شقته الجديدة التي يجهزها لزواجه، لا ليفتخر بمكان، بل ليشركني في فرحته. كان يريدني أن أراها بعينيّ، ويلح قائلاً بكل حب: «هيا لترَيها». أجلت الزيارة، وقلت: سآتي مرة أخرى. وسافرت.

لم أعلم أن التأجيل سيصبح دينًا لا أستطيع سداده، وأن الشقة ستظل تنتظر خطواته وضحكاته، وتحمل الآن صمتًا لا يشبهه.

بعض الوعود لا ندرك قيمتها إلا حين يصبح الوفاء بها مستحيلاً، فتبقى غصة في القلب، يرويها الغياب كلما تذكرنا أن أحلامهم كانت تنتظرنا لنكتمل بها، فاكتملت بدوننا.

إلى جنات الخلد ياطه

وإلى جنات الخلد كلُّ الراحلين

رفعت للتصميم