من رمادِ الهزيمة… وُلِد الفجر

لم يبدأ الفجرُ في الثالثِ والعشرين من يوليو…

بل بدأ عامَ ألفٍ وتسعمائةٍ وثمانيةٍ وأربعين،

حين مضت مصرُ إلى فلسطين،

لا طمعًا في أرض،

بل دفاعًا عن حقٍّ عربيٍّ استغاث بأمته.

مضى الجنودُ بقلوبٍ عامرةٍ بالإيمان،

حملوا أرواحهم على أكفِّهم،

آمنوا أن الشرفَ لا يُقاس بطول العمر،

إنما بما يُبذل في سبيل الوطن.

لكنَّ ميادين القتال

لم تكشف ضعفَ الجندي،

كشفت جراحَ الوطن.

أثبتت أن الشجاعة وحدها لا تصنع النصر،

في وطنٍ أثقله الفساد،

كبَّل الاحتلالُ إرادته،

قاتل جيشُه بقيودٍ لم يصنعها الميدان.

عاد الضباطُ من الحرب،

لم يعودوا يحملون الهزيمة،

بل عادوا يحملون سؤالًا واحدًا:

كيف تنتصر أمةٌ، ووطنها لم يستردَّ كامل حريته؟

كيف يُطلب من جيشٍ أن يحرر أرضًا عربية،

ومصر ترزح تحت الاحتلال،

تئنُّ من فسادٍ أنهك مؤسساتها؟

هناك… وُلِدت الفكرة.

كبرت في الصدور حتى صارت يقينًا:

الطريق إلى تحرير الأرض

يبدأ بتحرير الوطن.

بناءُ جيشٍ قوي يبدأ ببناء دولةٍ عادلة.

الكرامة لا تُستعاد على الحدود،

ما دامت تضيع في الداخل.

من رحم تلك الحقيقة

وُلد تنظيم الضباط الأحرار،

رجالٌ جعلوا مصر قبل أسمائهم،

الوطن قبل أحلامهم، الشعب قبل ذواتهم.

تقدَّم اللواء محمد نجيب، يحمل ثقة الجيش،

يجمع الصفوف حول راية الوطن.

أما جمال عبد الناصر،

فرأى في مصر بداية نهضةٍ جديدة،

آمن أن الحرية لا تُستجدى،

إنما تُنتزع بعزيمة الرجال، تُصان بالعدل،

تكبر بالإخلاص.

ثم أقبل الثالث والعشرون من يوليو،

عام ألفٍ وتسعمائةٍ واثنين وخمسين.

لم يكن بداية الحكاية،

كان ثمرة أعوامٍ من الصبر،

نتيجة وعيٍ نما في القلوب،

إيمانٍ بأن مصر تستحق فجرًا جديدًا.

تحرَّك الضباط الأحرار،

سيطروا على المواقع العسكرية،

صانوا الوطن من الفوضى،

جعلوا التغيير بداية بناء، لا بداية خراب.

أشرقت شمس الصباح،

انطلق البيان الأول عبر الإذاعة المصرية،

تلاه الضابط أنور السادات،

فلم يكن مجرد كلمات،

كان نبض وطنٍ عاد إليه صوته،

بشارة شعبٍ طال انتظاره،

إعلان ميلاد مرحلةٍ جديدة.

التفَّ المصريون حول ثورتهم،

آمنوا أن الحرية حق،

العدالة أساس العمران،

الوطن لا ينهض إلا بسواعد أبنائه،

باتحاد شعبه وجيشه.

طُويت صفحةٌ أثقلها الفساد،

فُتحت أخرى عنوانها الكرامة.

أُلغيت الملكية، أُعلنت الجمهورية،

بدأت مسيرة الإصلاح، ارتفع صوت الاستقلال،

اشتدَّ عود الجيش،

كبر حلم المصريين حتى لامس الغد.

لم تكن الثورة انقلابًا على أشخاص،

كانت ثورةً على واقعٍ أنهك الوطن،

صرخةً في وجه الظلم،

وعدًا بأن تظل مصر مرفوعة الرأس.

أثبت الشعب المصري

أن الأمم العظيمة قد تتعثر،

لكنها لا تعرف السقوط.

أثبت الجيش المصري

أن القوة ليست في السلاح وحده،

بل في العقيدة، الإخلاص،

الاستعداد للتضحية.

ستبقين يا مصر، كلما اشتدت الريح،

ازددتِ رسوخًا.

كلما أثقلتك المحن، أنبتِّ من وجعك أملًا،

من صبرك قوة، من تاريخك مجدًا.

لأنكِ لستِ وطنًا نعيش فيه،

بل وطنٌ يعيش فينا.

حين ينطق التاريخ، تكونين أول سطوره.

عند ذكر الكرامة، يحضر اسمك شامخًا.

وحين يُسأل المجد عن موطنه،

تشير البوصلة إلى ضفاف النيل.

سلامٌ على وطنٍ علَّم أبناءه

أن الحرية لا تُمنح، بل تُصنع بالإرادة.

سلامٌ على شعبٍ كتب مستقبله بعزيمته.

سلامٌ على جيشٍ أقسم أن يبقى

درعًا للوطن، سيفًا للحق،

عنوانًا للعزة ما بقيت مصر خالدة.

بقلم: شاعرة الإحساس

الاميره شليمار عبد المنعم محمد