على شرفة الفضاء الأزرق: حين تشرق الأرواح

قد نظنّ، لفرط ما نسمع، أن العالم الافتراضي صحراء قاحلة، لا تنبت إلا ما تذروه رياح العبث والزيف. لكنني لم أعتقد ذلك يومًا. كنت أؤمن أن وراء الشاشات أرواحًا تنبض، تشبه أرواحنا في توقها إلى المعنى، وفي حنينها إلى يدٍ تمتدّ في لحظة عثرة، أو صوتٍ يمنح السكينة في ساعة عتمة. فليست كل اللقاءات تُكتب في الطرقات؛ بعض الأقدار تختار أن تبدأ بضغطة على شاشة، فإذا بها تفتح بابًا من رحمة الله لم نحتسبه.

وفي أحد الأيام، بينما كنت أتصفح بلا بحث عن اسم، ولا قصد لصورة، ولا توجّه لموضوع، استوقفتني صورة رجل. هيئته توحي بالوقار؛ فخُيّل إليّ أنه قاضٍ، أو محامٍ، أو أحد أولئك الأساتذة الذين يناقشون رسائل العلم، وربما رجل من أهل الدين. كان رداؤه الأسود يرسّخ هذا الانطباع في نفسي. أطلت التأمل في ملامحه: يرتدي نظارة طبية، وبشرته حنطية تميل إلى السمرة. لم تكن على محياه ابتسامة، لكن تقاسيمه كانت تبعث في النفس راحة غامرة وطمأنينة. كاريزما هادئة تميّزه؛ حضور لا يفرض الهيبة بالخوف، بل يزرع في القلب سكينة يصعب وصفها. دفعني الفضول إلى صفحته، وما إن تواصلت معه حتى رحّب بي.

هيئته التي توحي بالوقار، وذلك الرداء الأسود الذي كان يرتديه، دفعاني إلى أن أسأله في أول حديث بيننا: ما مهنتك؟ أجابني أنه محامٍ متقاعد. وما إن عرفت ذلك حتى غمرتني فرحة كبيرة؛ إذ كنت يومها أحمل أسئلة أثقلت ليلي وأرهقت تفكيري. ومنذ تلك اللحظة انهالت عليه أسئلتي، وكان يجيب عنها برحابة صدر، وهو يقول: «اسألي ما شئتِ، وسأجيبك بما أملك من علم وخبرة».

ومنذ اللحظة الأولى، لم أتعامل معه على أنه محامٍ فحسب. وجدته يمنحني روح الأب، وحنان الأخ، وصدق الإنسان الذي لا ينتظر من عطائه مقابلًا. كنت حينها أخوض معركة قاسية وحدي، أشعر أن الأرض تضيق بي، فإذا به يمدّ إليّ يدًا من الكلمات الصادقة قبل أي شيء آخر. وكان يخاطبني دائمًا بقوله: «يا أختي»، ويضيف: «بارك الله فيك»، وأحيانًا: «يا أمي» – وهنا، للدلالة على أنني بمثابة ابنته، كانت تلك الكلمة التي أحببتها دائمًا.. ليست نداءً لأمي فقط، بل نداء يختصر في داخلي معنى الحنان والدفء والاحتواء. ولطالما استخدمتها مع معلماتي وطلابي، فيضًا من الحب والحنان أشعر به تجاههم، أعدّهم أبنائي كبارًا كانوا أم صغارًا. لذلك، حين سمعتها تُقال لي، شعرت أنها عادت إليّ محمّلة بكل المعاني التي كنت أمنحها للآخرين، وكأن الحنان الذي وهبته يومًا عاد إليّ في هيئة كلمة.

وفي كل حديث، وإن قصر، يكرر: «يا أختي، الله يبارك فيك»، حتى أيقنت أنه لا يقولها مجاملة، بل يرسّخ بها حدود العلاقة، ويؤكد أنها أخوة خالصة، نقية، عفيفة، لا تشوبها مصلحة ولا غاية. وكان يردد أن العلاقة بين الرجل والمرأة ينبغي أن تقوم على الاحترام والأخوة والصدق، وأن هذه المبادئ تحفظ القلوب قبل أن تحفظ المسافات. وكان هذا أكثر ما شدّني إليه؛ لأنه كان يترجم قناعاته إلى أفعال قبل أن تكون أقوالًا. لم يخبرني يومًا أنه يحفظ القرآن الكريم، ولم يقل إنه واسع الاطلاع في السنة النبوية، لكنني كنت أستشف ذلك من حديثه. فما من موقف إلا واستشهد بآية من كتاب الله، أو بحديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكأن القرآن حاضر في لسانه، والإيمان سارٍ في قلبه.

عندها أدركت أن الابتلاء ليس ظلمة خالصة كما نظن، وأن الألم لا يحمل دائمًا نهايته في داخله. ففي قلب كل محنة نافذة يفتحها الله لعباده؛ قد تكون خلوة معه سبحانه، أو ركعة في جوف الليل، أو ذكرًا يطمئن القلب، أو إنسانًا يرسله الله في الوقت المناسب ليأخذ بيدك حتى تعبر الوادي. بدأت أنظر إلى ابتلائي من زاوية مختلفة، فلم يعد مجرد وجع، بل صار طريقًا قادني إلى مراجعة نفسي، وإعادة ترتيب أولوياتي، والعودة إلى الله بقلب أكثر قربًا وخشوعًا. تغيرت نظرتي للحياة، وشعرت أن الله، حين أخذ مني شيئًا، عوّضني بأشياء لم أكن أتوقعها. وكان هذا الإنسان واحدًا من أعظم أوجه ذلك العوض.

يكاد لا يمر يوم إلا وأستفسر منه عن أمر، قانونيًا كان أم إنسانيًا أم نفسيًا. وكان، كلما شعر بضعفي، أو تسلّل الحزن إلى قلبي، يسارع إلى شدّ أزري، ويذكرني بالله، ويعيدني إلى اليقين. وربما نستحضر هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الأرواح جنودٌ مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف». وأذكر أنني قلت له يومًا، حين سأل عن حالي: «الحمد لله، أقضي وقتي وحيدة بين أربعة جدران، ولا يوجد معي غير الله». فنظر إلى الأمر من زاوية لم أكن أراها، وقال بهدوئه المعهود: «إذا كان الله معك، فمن الذي ينقصك؟ وإذا أردتِ ونيسًا، فعليك بكتاب الله، فهو الذي ينير طريقك، ويشرح صدرك، ويربط على قلبك إذا أثقلته المحن».

منذ ذلك اليوم، وبإيماني البسيط بالله – ولا أزكي نفسي على الله – استطعت أن أحوّل تلك الجدران الأربعة من مكان يضيق بالوحدة إلى فسحة إيمانية رحبة، أعيش فيها بين الابتهال، ومناجاة الله، وتلاوة كتابه، وترويض النفس على الصبر، والرضا، واليقين بقضائه وقدره. وأيقنت أن الوحشة ليست في خلوّ المكان، بل في خلوّ القلب من اليقين. فإذا امتلأ القلب بالله، اتسعت فسحة الأمل، وصارت الخلوة عبادة، وصار الصبر نورًا، وأصبح الابتلاء طريقًا إلى الطمأنينة لا إلى اليأس، وبابًا للقرب من الله.

كثيرًا ما يذكرني بأن أحتسب كل وجع، وكل لحظة وحدة أمر بها… لله سبحانه وتعالى، وأن أعتبِر ما يصيبني من ابتلاء ما هو إلا تطهير للذنوب ورفعة.

لم يقل لي يومًا: «اعتبريني صديقًا»، أو «بديلًا لأحد»، بل كان يقول: «اعتبريني الأخ والسند…». كانت هذه العبارة وحدها كافية لأفهم أنه يريد أن يطمئنني بأنني لم أفقد معنى العائلة، حتى وإن كنت بعيدة عنها، وأن الإنسان قد يكون أهلًا لك بأخلاقه، لا بصلة دمه.

ولعل أكثر ما زاد احترامي لهذا الإنسان، أنه عرف متى يكون حاضرًا، وعرف متى ينسحب. فما إن استشعر أن محنتي بدأت تنقضي، وأن الحياة تستعيد هدوءها، حتى بدأ يبتعد بهدوء شديد، بلا إعلان، وبلا كلمات وداع. كان انسحابًا رحيمًا، يشبه حضوره تمامًا. وكأنه كان يقول لي دون أن ينطق: «لقد انتهت مهمتي. اطمأننت عليك، ولم تعودي وحدك كما كنتِ في بداية الطريق».

لم أرَه على أرض الواقع، ولا أعرف عن حياته شيئًا. كل ما أعرفه أننا من البلد نفسه، وأن الله جمع بيننا في ذلك الفضاء الأزرق لحكمة، ثم فرّق بيننا حين اكتملت تلك الحكمة. لم يكن ابتعاده جفاءً ولا تغيرًا، بل موقف ينسجم مع أخلاقه؛ فقد كان يعرف حدود العلاقات ويقدّرها، ويعرف متى يقترب ومتى يتراجع خطوة إلى الخلف، حتى تبقى المودة نقية، ويبقى الأثر جميلًا.

ورغم أنني لا أريد أن أثقل عليه برسالة أو سؤال، فإنني أعترف أن غيابه ترك في قلبي فراغًا. افتقدت ذلك القلب الرحيم، وذلك الصوت الهادئ الذي كان يربّت على قلبي كلما ضعفت، ويشدّ من عزيمتي كلما أوشكت أن أنهار.

افتقدت المستشار، والأخ، والأب الروحي الذي رافقني في أشد محطات حياتي قسوة. أتذكره، وأتذكر تلك العبارة التي كانت شعاع أمل يبدد العتمة: «شدة وتزول، إن شاء الله». كان يرددها بثقة راسخة ويقين عميق بالله، وكأنها تبث في القلوب الطمأنينة، وتذكرنا أن الفرج قريب، وأن مع العسر يسرًا.

وما زلت كلما ذكرته، أدعو له بأن يطيل الله في عمره، ويلبسه لباس الصحة والعافية، ويبارك له في أهله وعلمه وعمله، ويجزيه عني خير الجزاء، ويجعل كل كلمة طيبة قالها، وكل خاطر جبره، وكل دمعة خففها، في ميزان حسناته.

لقد علّمني هذا اللقاء أن الخير لا يرتبط بمكان، وأن الأرواح النقية قد نجدها حيث لا نتوقع. ولذلك، كلما سمعت من يصف العالم الافتراضي بأنه عالم عبث، ابتسمت في داخلي؛ لأنني أعرف يقينًا أنه كان، بالنسبة لي، نافذة من نوافذ رحمة الله.

فشكرًا للأقدار التي تهدينا مثل هذه الأرواح، وشكرًا لله الذي يرسل في أكثر أيامنا عتمة أشخاصًا يكونون نورًا. وإن ابتعدوا، سيبقى أثرهم مضيئًا في القلب، وحاضرًا في الدعاء والذاكرة.

نوال إدريس أبخاطره