هبة الله العلمي .. ترانيم قلم يغازل الذكاء الاصطناعي  من شرفة الرباط 

بقلم : مهدي حمودة …

 

بين عراقة الجذور القادمة من جبال تاونات الشامخة، وسحر العاصمة الرباط حيث تولد الأحلام، تولد قصة استثنائية خارجة عن مألوف الزمن. قصة بطلتها شابة لم تتجاوز عتبات العشرين ربيعاً، لكنها استطاعت أن تكتب اسمها بحبر من نور في سجلات الأدب، الدبلوماسية، والعلوم الحديثة. إنها هبة الله العلمي، الأيقونة المغربية التي تحولت من مجرد طفلة شغوفة بالقراءة، إلى سفيرة فوق العادة للإبداع المغربي الشبابي في المحافل العربية والدولية.

 

وفي زمنٍ يظن فيه الكثيرون أن التكنولوجيا قد تبتلع جيل المستقبل، تطل هبة الله العلمي (المولودة في 16 يوليوز 2007) لتقدم نموذجاً مغايراً؛ نموذجاً يجمع بين رقة الحرف وصلابة الرقميات. فبينما تقضي نهاراتها في تفكيك خوارزميات الذكاء الاصطناعي في تخصصها الأكاديمي، تقضي ليلها في نسج عوالم روائية وقصصية تفيض بالمشاعر والأفكار. حيث لم يقف طموحها الأكاديمي، الذي تُوّج بشهادة البكالوريا بميزة “حسن”، حائراً أمام شغفها الثقافي. بل جعلت من تفوقها منصة للانطلاق نحو لغات متعددة، فكتبت بالعربية، والفرنسية، والأمازيغية، متجاوزةً بذلك حدود الجغرافيا واللغة لتخاطب العالم بأسره.

 

كما لم يكن المسار الأدبي لهبة الله مجرد هواية عابرة، بل كان أشبه بتدفق نهر إبداعي لا يتوقف. أثمرت قريحتها أعمالاً لافتة أثارت انتباه كبار النقاد والمفكرين في المملكة. ولعل شهادة المفكر والروائي المغربي الكبير حسن أوريد في حق روايتها “رسالة من القرن 14″ تشكل صك اعتراف بنضجها المبكر، حيث رأى في كتاباتها عمقاً يتجاوز سنوات عمرها بكثير.

 

حيث تتنوع مكتبة هبة الله لتشمل قصصاً وروايات ومسرحيات، من أبرزها ” شان والقطعة الذهبية وطريق المجد (حيث تتجلى قيم الإصرار). Une princesse à l’épée و Vengeance écarlate (في غوص ماتع بالأدب الفرانكوفوني). C’était un soir de pleine lune (ترجمات مشاعر صامتة تحت ضوء القمر).

 

كما لم تنكفئ هبة الله داخل صومعتها الأدبية، بل حملت صوت أطفال المغرب وشبابه إلى العالم. فبصفتها النائبة الثانية لرئيس البرلمان العربي للطفل في دورته الثالثة، وعضوة البرلمان المغربي للطفل، تحولت إلى مدافعة شرسة عن حقوق الطفولة، والتنمية المستدامة، والتعليم. ولم يتوقف هذا الطموح عند حدود المنطقة العربية؛ بل امتد ليصل إلى الريفييرا الفرنسية في مدينة نيس عام 2025، حيث وقفت الشابة المغربية بثقة واعتزاز في مؤتمر الأمم المتحدة الثالث للمحيطات، تناقش قضايا البيئة والمناخ جنباً إلى جنب مع رؤساء الدول، والوزراء، والخبراء الدوليين، مؤكدة أن كفاءات المغرب الشابة لا تعترف بعامل السن عندما يناديها الواجب الكوني.

 

فخلف هذا الحضور البهي، يقبع رصيد زاخر بعشرات الجوائز الوطنية والعربية. لم تترك هبة الله مجالاً إلا وتركت فيه بصمة؛ من الخطابة والمسرح إلى الفن التشكيلي والموسيقى، وصولاً إلى عالم الرياضيات المعقد والبرمجة. وبدلاً من الاحتفاظ بـ “سر الخلطة” لنفسها، اختارت أن تمد يدها للأجيال الأصغر سنًا عبر تنظيم ورشات عمل تزرع من خلالها حب القراءة والإبداع في قلوب الأطفال.

 

فإن حكاية هبة الله العلمي ليست مجرد سيرة نجاح فردية تُروى للإعجاب، بل هي رسالة أمل وصيحة ثقة في قدرة الطاقات المغربية الشابة. إنها البرهان الساطع على أن البيئة المحفزة متى ما التقت بالإرادة الحرة، يمكنها أن تصنع معجزات ترفع راية الوطن عالياً في سماء الثقافة، والعلوم، والابتكار.