
لاأحد يشبه ابي
“لاأحد يشبه ابي”
قالوا: خذ من العمر أبا آخر…
فأنصت كمن يسمع أن الربيع يستطيع أن يرث الخريف.
أيها الطيبون…
لا أرفض محبتكم، لكنني أخاف على الكلمات إذا فقدت حدودها.
الأب… ليس اسما يورث، ولا دورا يؤديه الآخرون، ولا كتفا يشبه كتفه ولو اجتمعت أكتاف الدنيا.
الأب… أول وطن يسكننا، وآخر وطن يهاجر منا.
قالوا: سنكون لك السند.
وأعرف… أن السند نعمة.
لكن الجبل لا يصبح أبا لأن شجرة استندت إليه.
وقالوا: نادني يا أبي.
فارتجفت الحروف.
كيف أمنح الاسم لغير صاحبه؟
فلو كان للأب بديل، لفقدت كلمة “أب” معناها.
وهل إذا علقنا القمر في سقف البيت تصير الليالي سماء؟
كل الأشياء يمكن أن تجد شبيها…
إلا الأب.
لا يعوض، ولا يستنسخ، ولا يأتي مرة ثانية.
كان يدخل البيت، فتخرج الوحشة من الأبواب الخلفية.
وكان يصمت… فتتكلم الطمأنينة.
وكان يبتسم… فتنسى الأيام أن لها أنيابا.
لم يكن يمسح دموعنا…
كان يمسح الخوف عن وجوه أرواحنا، ويفاوض الريح كي تعبر من فوق رؤوسنا ولا تمس قلوبنا.
لهذا…
لا تبحثوا لي عن أب آخر.
فالأنهار لا تعوض البحر.
والفجر لا يرث الشمس.
والوطن لا يولد مرتين.
فالأب إذا رحل…
ترك في القلب مقعدا لا يجلس عليه أحد.
ولو جلس العالم كله، لبقي ذلك المقعد… فارغا.
فبعض الأسماء خُلقت مرة واحدة،
وبعض العلاقات لا يليق بها إلا الخلود.
ولهذا… سأظل أناديه وحده: يا أبي. بقلم ماريا حنا










