كيف يفرق الإنسان بين الحدائق والمزابل؟

د. محمد صالح القيسي

العراق / بغداد

استلهمت في مقالنا هذا صرخة الشاعر نزار قباني في رثاء زوجته بلقيس الراوي، متأملاً في سؤاله الوجودي: “كيف يفرق الإنسان ما بين الحدائق والمزابل؟”، حيث يعكس هذا التساؤل معضلة الإنسان في غربلة القيم، التمييز بين الحق والباطل، وإدراك الفرق بين البناء الإنساني الجميل والزيف المتردي وسط تعقيدات الحياة اليومية والتاريخ…

 

في رثائه العظيم لزوجته بلقيس، أطلق الشاعر الكبير نزار قباني صرخةً تختزل وجع الأمة وفقدان البوصلة،لم يكن تساؤله: “كيف يفرق الإنسان ما بين الحدائق والمزابل؟” مجرد استعارة شعرية عابرة، بل كان محاولة لفهم وتعرية واقع تتداخل فيه الخطوط، وتضيع فيه القيم، إن هذا التساؤل الفلسفي العميق يدعونا للتأمل في جوهر الإنسان وكيفية فرزه لما يحيط به…

 

١. معايير التمييز الداخلي (البصيرة والأخلاق) لا يمكن للإنسان أن يفرق بين “الحدائق” (التي ترمز للجمال، النقاء، والعطاء) وبين “المزابل” (التي ترمز للتوحش، البشاعة، والانحطاط) إلا بامتلاكه بوصلة أخلاقية سليمة، تتشكل هذه البوصلة من خلال :

أ. الوعي والمعرفة:

القراءة والفهم العميق للتاريخ تمنح الإنسان القدرة على رؤية الأشياء على حقيقتها دون الانخدار خلف المظاهر الخادعة.

ب. الضمير الحي :

هو الرقيب الداخلي الذي ينبه الإنسان حين يقترب من المزابل الفكرية أو الأخلاقية، ويدفعه للبحث عن الجمال والسلام.

 

٢. الحدائق :

بناء القيم والجمال الحديقة في حياتنا هي كل ما يرتقي بالروح والفكر، إنها الصدق، العدالة، التسامح، والإنسانية…

 

عندما يزرع الإنسان بذوراً صالحة في تعاملاته ومجتمعه، فإنه يبني حديقةً مزهرة تفيض بالعطاء، وفي المقابل هي رمز للأوطان الحرة التي تحترم عقول أبنائها ولا تستهين بكرامتهم…

 

٣. المزابل :

مستنقعات الزيف والتوحش تتمثل “المزابل” في كل سلوك يهبط بالإنسان إلى درك البهيمية، مثل: الجهل، التعصب الأعمى، التبرير للفساد، وتجرد القادة والمجتمعات من القيم والمبادئ…

 

لقد عبّر نزار قباني في قصيدته بمرارة عن تحول المشهد إلى ما يشبه المزبلة حين تختلط المعايير، فيصبح اللص مقاتلاً والقائد مقاولاً، وتغتال الفراشة في حقلها…

 

٤. دور التاريخ في الفرز :

التاريخ هو الحكم العدل الذي يميز بوضوح بين من تركوا إرثاً كـ”الحدائق” العطرة، ومن سقطوا في مزابل النسيان والتاريخ الأسود، دروس التاريخ تعلمنا أن الجمال والخير هما ما يبقى في الذاكرة الإنسانية، بينما تتلاشى المزابل والتوحش مهما بدت في لحظة ما قوية ومسيطرة.

 

إن التمييز بين الحديقة والمزبلة يبدأ من الداخل، من قدرة الفرد على اختيار الكلمة الطيبة، الموقف الصادق، والانحياز للإنسانية والجمال، إنها رحلة وعي مستمرة تتطلب شجاعة دائمة لرفض البشاعة والوضاعة، والعمل على جعل حياتنا وبيئتنا حديقةً غناء تليق بالإنسان الذي كرّمه الله.