
من هو أول فيلسوف في التاريخ؟ جدل التأسيس عند فيثاغورس
منذ فجر التاريخ الفكري، استقر في الوعي الأكاديمي الكلاسيكي أن اللحظة التي نُحتت فيها كلمة “فلسفة” كانت فاصلة بين عصر الحكمة التأملية السائبة وعصر التنظير العقلي المنهجي. وتقف شخصية فيثاغورس في قلب هذه الرواية بوصفه أول من استخدم هذا المصطلح ونسبه إلى نفسه، مؤسساً بذلك لتقليد معرفي ظلت آثاره حاضرة في مسار الفكر البشري.
تستند الرواية التاريخية الأقدم، التي نقلها هيرقليدس البنطي (تلميذ أفلاطون) وأوردها ديوجين اللايرسي وشيشرون، إلى حوار جرى بين فيثاغورس وليون حاكم فليوس. عندما سُئل فيثاغورس عن وصف نفسه، رفض لقب “الحكيم” (سوفوس)، مؤثراً تسمية نفسه “محباً للحكمة” (فيلوسوفوس). وفي توضيح هذا المفهوم، صاغ فيثاغورس استعارة تقارن الحياة بالألعاب الأولمبية؛ حيث ينقسم الناس إلى ثلاثة أصناف: فئة تأتي للتجارة والربح، وفئة تشارك سعياً وراء المجد، وفئة ثالثة تتجاوز المنفعة والتنافس وتكتفي بـ”النظر” والتأمل الخالص. هذه الفئة الأخيرة هي التي تمثل “الفلاسفة” الذين يطلبون المعرفة لذاتها.
تكشف هذه الاستعارة عن انزياح إبستمولوجي دقيق؛ إذ إن مصطلح “الفلسفة” لم يُطرح ادعاءً بامتلاك المعرفة، بل تعبيراً عن تواضع معرفي. إنه إقرار بعجز الكائن البشري عن بلوغ الحكمة المطلقة التي تبقى، في هذا الإطار، صفة إلهية، ليقتصر دور الإنسان على النزوع إليها والسعي المستمر نحوها.
غير أن هذه الرواية التأسيسية لم تسلم من النقد التاريخي؛ إذ ظهر إشكال متعلق بموثوقيتها. فمن جهة، يقف المؤرخون القدامى مثبتين نسبة المصطلح لفيثاغورس، ومن جهة أخرى، يطرح تيار تحقيقي معاصر يضم مؤرخين من أمثال فالتر بوركرت وبيير هادو أطروحة مضادة، مفادها أن الرواية البنطية لا تعدو كونها نسباً رجعياً. يجادل هؤلاء بأن مصطلح “فيلوسوفوس” أُسقط بأثر رجعي من قِبل أفلاطون وتلاميذه لأغراض جدلية في سياق خلافهم مع السفسطائيين. وفق هذا الطرح، فإن التواضع المنسوب لفيثاغورس كان في حقيقته أداةً أفلاطونية لتمييز الفيلسوف عن السفسطائي الذي يدّعي امتلاك الحكمة ويبيعها في الأسواق، مما يُحوّل نحت مصطلح “الفلسفة” من ومضة فيثاغورية مبكرة إلى استراتيجية معرفية صِيغت في الأكاديمية الأفلاطونية لإعادة رسم الحدود بين المشتغلين بالمعرفة.
بين الرواية التأسيسية الفيثاغورية والتشكيك الأفلاطوني الرجعي، يتضح أن مصطلح “فلسفة” لم يكن دالاً لغوياً محايداً، بل كان منذ بدايته موضع جدل حول شرعية المعرفة وحدود العقل الإنساني، وحول التمييز بين من يدّعي امتلاك الحقيقة ومن يفني عمره في البحث عنها.
الطيب بوعزة، في دلالة الفلسفة وسؤال النشأة – نقد التمركز الأوروبي، مركز نماء للبحوث والدراسات، 2012
الصفحة الرسمية للكاتب سالم. يفوت











