عزفٌ على أوتار الغياب  …

عزفٌ على أوتار الغياب

قراءة في فخاخ العزلة بـرواية:

“نقار الصمت ” للكاتبة الفلسطينية “ريتا عودة ”

 

بقلم : طارق الأسمر

 

في زمنٍ يضجُّ بالآلات والصخب الزائف، تأتي رواية “نقار الصمت” للكاتبة والشاعرة الفلسطينية ” ريتا عودة “، لتُعيد إلى المشهد الأدبي هيبته، لا عبر الصراخ، بل عبر التقاط الهمس المخبوء خلف جدران الذات البشرية. الرواية ليست مجرد سرد لحكاية، بل هي أشبه بمشرط جراح يغوص عميقاً في أورام العزلة، والانتظار، والبحث المضني عن الهوية في عالم يبتلعه الغياب.

 

فمنذ العتبة الأولى للنص، العنوان، نجد أنفسنا أمام مفارقة شعرية لافتة. “نقار الصمت”، فالصمت هنا ليس فراغاً أو جداراً مصمتاً، بل هو مادة صلبة، شجرة وارفة يأتي “النقار” لينبش في جذعها، باحثاً عن ديدان الحقيقة أو ربما عن منفذ للضوء.

 

حيث تتخلى ” ريتا عودة ” في هذا العمل عن النمط التقليدي للحكاية (بداية، عقدة، حل) لتستعيض عنه ببناء أقرب إلى “التدفق الشعوري” أو تيار الوعي. اللغة في الرواية ليست أداة لتوصيل الأحداث فحسب، بل هي الحدث نفسه. الكاتبة، القادمة من خلفية شعرية متينة، صبغت نثَرها بـ “مَاء الشعر”، فجاءت الجمل قصيرة، مكثفة، ومحملة بظلال من الشجن والرمزية التي تجبر القارئ على التمهل بين السطر والآخر.

 

كما تتحرك شخوص الرواية في فضاءات نفسية خانقة، حيث يغدو “الآخر” مجرد طيف أو صدى. تناقش عودة ببراعة مفهوم الاغتراب—ليس فقط الاغتراب الجغرافي، بل الاغتراب الوجودي والنفسي. أبطالها لا يبحثون عن خلاص جماعي، بل يخوضون معارك ضارية وصامتة مع ذواتهم، مع ذكرياتهم، ومع الفقد الذي يبدو كأنه القاسم المشترك الأعظم بينهم.

 

لإن الصمت في هذه الرواية ليس استسلاماً، بل هو لغة بديلة حين تعجز الحروف عن حمل وطء الوجود.

 

فقد استطاعت الكاتبة أن تحول “العزلة” من حالة سلبية إلى طقس تطهيري (Catharsis)، حيث يصبح نقر الصمت محاولة مستمرة لتفتيت الجدران التي تبنيها الخيبات حول أرواحنا.

 

كما تتميز الرواية بـ “سينمائية اللقطة”. فإن ” ريتا عودة ” لا تصف الأماكن بطريقة فوتوغرافية باردة، بل تمنح الأشياء الجامدة أرواحاً. المقعد، النافذة، المطر، الستائر.. كلها عناصر تشارك في صياغة الحالة النفسية للشخصيات. هذا التأثيث البصري الذكي ساعد في تخفيف حدة “المونولوج الداخلي” الذي سيطر على أجزاء واسعة من العمل، ومنح القارئ مساحة لالتقاط الأنفاس والتأمل.

 

ورغم الجمالية العالية التي تدثرت بها الرواية، إلا أن النقد الموضوعي يقتضي الإشارة إلى أن “الحمولة الشعرية الزائدة” في بعض المقاطع كادت أن تبتلع السرد الروائي. في بعض الأحيان، يشعر القارئ أن “الشاعر” في ريتا عودة غلب “الروائي”، مما أدى إلى تباطؤ إيقاع الحدث والوقوع في شرك التكرار الدلالي لبعض الثيمات (كالحزن، الانتظار، والصمت). إلا أن هذا المأخذ يظل طفيفاً أمام قدرة الكاتبة على الحفاظ على خيط الجذب المشدود مع المتلقي حتى السطر الأخير.

 

وفي المحصلة، تُعد رواية “نقار الصمت” إضافة نوعية للمكتبة العربية، ومغامرة أسلوبية تحسب ” لريتا عودة “. إنها رواية لا تُقرأ لتزجية الوقت، بل تُقرأ لتأمل الذات. لقد نجحت الكاتبة في جعلنا نستمع إلى “نقر” الصمت في دواخلنا، وتركَتْنا بعد الصفحة الأخيرة نتساءل هل نحن من يصنع صمتنا، أم أن الصمت هو من يعيد صياغتنا؟