
الفنانة التشكيلية ” مينة الزاكي ” حين ترسم الريشة بأصابع مهندسة وعاطفة شاعر
بقلم : طارق الأسمر
في مدينة القصر الكبير، حيث لا تكفّ أشجار الأكلبتوس عن الهمس لأغصان الليمون، ولدت حكاية فنية نسجت خيوطها الأولى من وهج الطبيعة المغربية البكر. هناك، وبين دروب المدينة التي تعانق الوجدان بهدوئها، تفتحت موهبة الطفلة ” مينة الزاكي “، طفلة كانت تحمل في جعبتها الصغيرة أحلاماً بلون السماء، ورقةً تستمد ثباتها ويقينها من جذور الأرض الطيبة.
لم تكن رحلة ” مينة الزاكي ” في دروب الفن مجرد عبور عادي أو هواية عابرة، بل كانت مزيجاً فريداً ونادراً بين صرامة العلوم وعذوبة الخيال. ففي الوقت الذي كانت فيه تغوص في لغة الأرقام الجافة وتفاصيل الهندسة المعمارية، كانت ريشتها في الخفاء ترسم مسارات موازية للحياة. فقد نجحت في أن تصوغ من تخصصها الأكاديمي لغة بصرية خاصة جداً، لغة تجيد ترويض الفراغ، وبناء المشهد التشكيلي بدقة مهندس بارع وعاطفة شاعر يذوب رقة.
” في عالم مينة الزاكي، ليس الضوء مجرد انعكاس فيزيائي أو معادلة رياضية، بل هو نبض اللوحة، وروحها النابضة بالحياة “.
فهي لا ترسم الأشياء كما تراها العين المجردة، بل كما يحسّ بها القلب المتبتل في محراب الجمال. ويمكننا تلمس عبقريتها من خلال ثلاثة أقانيم تجسد لوحاتها ” الشفافية ” حيث تتلاشى الخطوط الجامدة والحدود القاسية، لتفسح المجال لرحابة التأمل، ” الدفء ” ألوان دافئة تستعير صدقها ونقاءها من الطبيعة لتنثر الطمأنينة في نفس المتلقي، ” الرقص الخفي ” ضوء خافت يداعب الخيال، ويحول اللوحة إلى مساحة صوفية تلتقي فيها ألوان السعادة بهمسات الذكريات.
وكما وصفتها الناقدة الأستاذة الدكتورة ” لمياء كرم صافي “، فإن أعمال مينة الزاكي هي ” نسمات رقيقة تنطلق من أعماق الخواطر النفسية، لتمنح كل من يقف أمامها سحراً خاصاً يغسل تعب الروح وينتشلها من صخب الحياة “.
حيث لم تنغلق ” مينة الزاكي ” يوماً داخل جدران مرسمها، بل جعلت من فنها جسراً حياً يربط التراث المغربي الأصيل بروح الحداثة المعاصرة. تنقلت بلوحاتها في المحافل الوطنية والدولية، حاملةً بصمة فنية تميزت بالرقي والعمق. وكان وراء هذا العطاء إرث عائلي غني بالدعم والاحتواء، حيث كانت والدتها وعائلتها بمثابة الشراع المتين الذي دفع سفينتها الإبداعية لتتجاوز كل الأمواج الصعبة وتصل إلى بر التميز.
في الختام، يمكننا القول إن ” مينة الزاكي ” ليست مجرد فنانة تشكيلية تمر بريشتها فوق القماش الأبيض، بل هي معمارية للجمال. إنها ذاك الجسر الممتد بين رصانة العلم وجموح الحلم، وبين ذاكرة الأمس وتأملات الغد. و ستظل لوحاتها علامة مضيئة، وأيقونة فريدة في ردهات الفن المغربي المعاصر، تذكرنا دائماً بأن الفن في أسمى تجلياته هو اللغة السحرية التي يتنفس بها الضوء …











