
الفنان التشكيلي ” عبد العزيز اليامودي ” حارس الألوان وذاكرة الطين ورحلة من أزقة “درب السلطان” إلى عوالم التشكيل
بقلم : طارق الأسمر
في قلب الدار البيضاء، وحيث تصدح أصوات الحياة اليومية في أزقة درب السلطان العريقة، ولدت حكاية شغف لا تنتهي. هناك، في الخامس والعشرين من فبراير عام 1966، أبصر الطفل ” عبد العزيز اليامودي ” النور، ولم يكن يعلم حينها أن عينيه اللتين تراقبان تفاصيل الحي الصاخب ستصنعان منه يوماً ما واحداً من حراس الذاكرة البصرية المغربية.
فمنذ نعومة أظافره، كان يرى العالم عبر منشور من الألوان. لم تكن الجدران القديمة بالنسبة له مجرد إسمنت، بل كانت لوحات تنتظر من يفك شفراتها. هكذا بدأ مشواره الفني مبكراً، مدفوعاً بفضول جارف وأصابع تتوق لمداعبة الريشة، ليتشكل ببطء ذلك الأسلوب الفريد الذي سيصنع اسمه لاحقاً في محافل الفن التشكيلي.
وحين تتأمل لوحة ” عبد العزيز اليامودي “، فأنت لا تنظر إلى مجرد ألوان سُكبت على قماش، بل تدخل في حوار حي بين زمنين. لقد نجح الفنان في إمساك العصا من المنتصف ببراعة مذهلة، حيث زاوج بين أدوات الحداثة وتقنياتها الرفيعة، وبين الجذور التراثية التي تسكن وجدانه.
كما يتنقل ” عبد العزيز اليامودي ” بخفة الساحر بين الألوان الزيتية والإكريليك، مستخدماً تقنيات متعددة تعطي للوحاته عمقاً وحياة. أما إلهامه، فيستقيه من نبع لا ينضب مثل المناظر الطبيعية المغربية الممتدة بين خضرة الأطلس وزرقة البحر. والثقافة الأمازيغية برموزها الضاربة في عمق التاريخ والمليئة بالأسرار. و العمارة التقليدية بتفاصيلها الهندسيّة الفاتنة التي تحكي قصص الحضارة.
” إن لوحات اليامودي ليست مجرد محاكاة للواقع، بل هي إعادة صياغة لروح الهوية المغربية بقالب عصري يطرق أبواب العالمية “.
كما لم يلبث صدى ريشة ابن درب السلطان أن تجاوز حدود الحي والمدينة، ليرحل في سفر طويل عبر المعارض الفردية والجماعية داخل المغرب وخارجه. وفي كل محطة، كان ” عبد العزيز اليامودي ” سفيراً يختزل بلاده في خطوط وألوان، فنال عن جدارة واستحقاق فيضاً من الجوائز والتكريمات التي توجت مسيرته كحامٍ للتراث ومجددٍ في الآن ذاته.
زاليوم، استقرت أعمال ” عبد العزيز اليامودي ” في كبرى المجموعات الفنية، العامة منها والخاصة، وباتت لوحاته محط أنظار عشاق الفن والمقتنين. إنها تحتفي بالبيئة المحلية والزخارف التقليدية، وتحول التفاصيل البسيطة في حياتنا اليومية إلى مقطوعات بصرية خالدة.
و تستمر ريشة ” عبد العزيز اليامودي ” في العطاء، تخط في كل يوم فصلاً جديداً من فصول حكاية فنان مغربي آمن بأن الأصالة هي أقصر طريق للوصول إلى قلوب البشر، لتظل أعماله نافذة مشرعة على سحر المغرب، تتدفق منها الألوان لتنير المشهد الفني المعاصر ببريق لا ينطفئ …











