
الفنانة التشكيلية ” وفاء مهيدي ” ترانيم الطين والرماد و حكاية المبدعة التي طوّعت العزلة بالجمال
بقلم : طارق الأسمر
في الوقت الذي انغلق فيه العالم على نفسه عام 2020، وجلس الجميع خلف الأبواب المغلقة يرقبون المجهول بنوع من الوجل، كان هناك خلف جدران أحد البيوت المغربية حكاية أخرى تولد في صمت. حكاية بطلتها امرأة تدعى ” وفاء مهيدي “، لم تستسلم لركود جائحة كورونا، بل جعلت من تلك العزلة الإجبارية نافذة تطل منها على أعماق روحها، لتكتشف شغفاً كان نائماً في انتظار اللحظة المناسبة ليشرق.
فقد بدأت القصة بأبسط الأدوات، قلم رصاص وورقة بيضاء. لم تتلقَ ” وفاء مهيدي ” أي تعليم أكاديمي في الفنون، ولم تجلس في قاعات المحاضرات لتتعلم نسب الوجوه وتوزيع الظلال، بل كان معلمها الأول هو ذلك الرابط الخفي بين قلبها وأناملها. بدأت برسم البورتريهات، كانت تخط الملامح وتبث الحياة في العيون الصامتة، وكأنها تحاور البشر الذين حرمتها الجائحة من لقائهم.
لكن الشغف الحقيقي لا يهدأ، بل ينمو ككرة ثلج. شعرت وفاء بأن قلم الرصاص، على جماله، بات يضيق بطموحها، فقررت أن تخطو نحو الضوء. التحقت بجمعية فنية احتضنت موهبتها الفطرية، وهناك، وسط الألوان وأحاديث المبدعين، بدأت تصقل مهاراتها وتتعلم كيف تحول الفوضى المشاعرية في داخلها إلى لوحات تنبض بالحياة.
ولأن الفنان الحقيقي يبحث دائماً عن المادة التي تشبه روحه، عثرت ” وفاء مهيدي ” على ضالتها في عالم الخزف، وتحديداً في تقنية ” سيراميكا الراكو ” (Raku) اليابانية العريقة. هذا الفن ليس مجرد تشكيل للطين، بل هو مغامرة غير متوقعة تحكمها النار والرماد والماء.
فتلك التقنية التي تعتمد على إخراج القطع الخزفية وهي مشتعلة من الفرن لتدفن في الرماد، أسرت قلب وفاء. وجدت فيها فلسفة تشبه الحياة، فالطين يمر بالصدمة الحرارية ليخرج في النهاية قطعة فريدة لا تشبه غيرها، تحاكي في تصدعاتها وألوانها المعدنية عمق المشاعر الإنسانية وتقلبات الطبيعة. واليوم، تصمم وفاء قطعاً خزفية ليست للعرض الفخم فحسب، بل هي قصائد من طين تروي رؤيتها الخاصة للكون.
لم يطل الوقت حتى بدأت أصداء إبداع ” وفاء مهيدي ” تتجاوز حدود مرسمها الصغير لتصل إلى المحافل الدولية. ففي إيطاليا، ووسط أضواء مسرح مانزوني العريق في ميلانو، وقفت السيدة المغربية لتتسلم الجائزة الدولية بالمركز الأول من مؤسسة Effetto Arte المرموقة، معلنةً للعالم أن الموهبة النابعة من الصدق لا تعترف بالحدود.
ولم تتوقف رحلة التتويج هنا، بل توجت بالمركز الأول في مسابقة أجراس الفن التشكيلي جرس الفنيق، حيث حدثت معجزة بصرية دمجت بين أصالة ريشتها وعصر التكنولوجيا، إذ تحولت لوحتها التشكيلية إلى قصة مرئية متحركة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبُثت عبر قناة “الفينيق”. أضف إلى ذلك حصدها للمركز الثاني في مسابقة تشكيلية أخرى، والمركز الثالث في مسابقة متخصصة في أعمال الخزف، لتثبت قيمتها كفنانة متعددة الأدوات والمهارات.
و كما صرحت في أحد حواراتها قائلة ” بالنسبة لي، الفن ليس مجرد هواية أزجي بها الوقت، بل هو أسلوب حياة، ورسالة داخلية أترجم بها نبض الإنسان، وسحر الطبيعة، وتناقضات المشاعر “.
واليوم، تقف ” وفاء مهيدي ” في المشهد الفني المغربي والعربي كرمز للمرأة الطموحة التي تصنع من اللاشيء حكاية نجاح. إنها لا ترسم لتبهر العيون، بل لتوقظ الأرواح وتدفع المتأمل في لوحاتها وخزفياتها إلى التفكير والغوص في أعماق الذات.
فإن مسيرة ” وفاء مهيدي ” هي رسالة حية لكل شاب وشابة في المغرب وخارجه، مفادها، أن البدايات المتأخرة أو البسيطة لا تعني أبداً غياب النهايات العظيمة، وأن الشغف إذا ما رُوي بالإصرار والصبر، كفيل بأن يطوع الصخر والنار، ويحول الطين الصامت إلى تحف تتحدث بلغة عالمية …











