جمال كريم حين تمطر الكلمات مقاومة

بقلم … طارق الأسمر

لم يكن المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط هذا العام مجرد مناسبة ثقافية عابرة، بل تحوّل إلى منصة لولادة صوت أدبي جديد يصرخ من عمق الهوامش المنسية. ذلك الصوت هو الكاتب المغربي الشاب جمال كريم، الذي أطل على القرّاء بمجموعته القصصية “أتلانتا تمطر كذبًا”، لتصبح سريعًا محور النقاش بين النقاد والجمهور، لا باعتبارها ترفًا فكريًا، بل كمرآة حارقة تكشف وجه الإنسان المعاصر بكل تشققاته.في هذه المجموعة، لا يكتب كريم بحثًا عن إعجاب عابر، بل يفتح أبواب العوالم المسكوت عنها، حيث يئن “الإنسان المقهور” تحت وطأة الخيبات المتتالية. نصوصه تتنقل ببراعة بين قضايا يومية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في العمق أزمات وجودية كبرى: من البطالة التي تخنق الأحلام، إلى مرارة الهجرة التي تقتلع الإنسان من جذوره، وصولًا إلى لسعات الخيانة ووحشية الفقر والتشرد. إنها “حرائق صغرى” كما وصفها بعض القراء، أضرمها الكاتب في جسد السرد لتضيء الزوايا المعتمة التي تتفادى العين النظر إليها.وفي أحد حواراته، قال كريم: “الأدب في أتلانتا تمطر كذبًا ليس مجرد حكاية تُروى، بل هو فعل مقاومة حقيقي، وجدار صدّ في وجه النسيان والتهميش.” هذه العبارة تلخص فلسفة الكاتب، الذي يرى في الأدب سلاحًا لمواجهة الغياب وإعادة الاعتبار للوجوه التي أرهقها الصمت.ما يمنح هذه المجموعة أجنحة تحلق بها في سماء الأدب العربي هو تلك اللغة الشاعرية المشحونة بالرموز والصور الحية. لغة تلامس الروح قبل العقل، وتترك في وجدان المتلقي أثرًا لا يمحوه الزمن. واللافت أن كريم لم يتخرج من ردهات الأكاديميات الصارمة، بل صقلته التجربة الحية وعجنه الوجع اليومي، ليصنع من ذاته كاتبًا أصيلًا حصد جوائز وطنية وعربية، مؤكّدًا مكانته في مشهد السرد المغربي والعربي المعاصر.حركية البيع والنقاش داخل أروقة معرض الرباط أثبتت أن كتابات كريم جاءت في وقتها تمامًا. ففي زمن عزّ فيه الإنصات، امتلك هذا الكاتب الشجاعة ليقول ما عجز الآخرون عن قوله، منحازًا بشكل مطلق للوجوه المهمشة. وهكذا، فإن “أتلانتا تمطر كذبًا” ليست مجرد إضافة للمكتبة العربية، بل وثيقة إنسانية حيّة تؤكد أن الكلمة الصادقة تظل دائمًا السلاح الأقوى في مواجهة التهميش والغياب.