الماء بوصفه مرآةً للروح قراءة نقدية في كتاب «جمالية الماء» للكاتبة المغربية ” سهيلة أيت لحسن “

بقلم طارق الأسمر

ليست الكتابة عن الماء أمراً يسيراً كما يبدو، فالماء كائن مراوغ، شفاف إلى حدّ الاختفاء، وعميق إلى حدّ الاستعارة. لذلك فإن الاقتراب منه أدبياً أو فكرياً يتطلب حساسية خاصة قادرة على التقاط ما لا يُرى، والإصغاء إلى ما يقوله الصمت في جريان الأشياء. ومن هنا تنبع خصوصية كتاب «جمالية الماء» للكاتبة المغربية سهيلة أيت لحسن، الذي لا يكتفي بتناول الماء كعنصر طبيعي، بل يعيد تشكيله بوصفه قيمة جمالية وثقافية وإنسانية.

 

فمنذ الصفحات الأولى، يبدو أن الكاتبة لا تسعى إلى تقديم خطاب بيئي تقليدي أو معالجة معرفية جامدة، بل تراهن على تأسيس رؤية مختلفة تجعل من الماء لغةً للتأمل ونافذةً لفهم العلاقة المعقدة بين الإنسان والطبيعة. فالماء داخل هذا العمل ليس مجرد مادة للحياة، بل صورة للحياة نفسها؛ في صفائها، وتحولاتها، وقلقها الخفي، وقدرتها المستمرة على البعث والتجدد.

 

حيث تكتب سهيلة أيت لحسن بروح أقرب إلى الشعر منها إلى التنظير الجاف، لذلك تأتي اللغة منسابة كجدول هادئ، تحمل إيقاعاً داخلياً يجعل القارئ يشعر أنه لا يقرأ عن الماء فحسب، بل يلامسه من خلال الكلمات. وهذه واحدة من أهم نقاط القوة في الكتاب؛ إذ استطاعت الكاتبة أن تجعل الأسلوب جزءاً من الفكرة نفسها، وكأن اللغة تحاول أن تشبه موضوعها في الشفافية والانسياب والنعومة.

 

ولا تكمن جمالية الكتاب في لغته وحدها، بل أيضاً في قدرته على تحويل قضية بيئية إلى سؤال جمالي وإنساني. فالكثير من الكتابات التي تتناول الماء تقع في فخ المباشرة والخطاب التقريري، بينما اختارت الكاتبة طريقاً أكثر عمقاً وهدوءاً، يقوم على إيقاظ الإحساس بدل إلقاء المواعظ. إنها تدرك أن الإنسان لا يحمي الأشياء لأنه يُطلب منه ذلك فقط، بل لأنه يشعر بجمالها أولاً. ومن هنا يتحول الماء في هذا العمل إلى قيمة وجدانية قبل أن يكون قضية بيئية.

 

وكما يلفت الانتباه ذلك الحضور التأملي الواضح في بنية النص، حيث تتداخل المعرفة بالحس الفني، ويتجاور الوعي الثقافي مع الرؤية الإنسانية. فالكاتبة تنظر إلى الماء باعتباره ذاكرةً للحضارات، وعنصراً مؤسساً للخيال الإنساني، لذلك يبدو الكتاب أحياناً وكأنه دعوة خفية لإعادة النظر في علاقتنا بالعالم، وفي الطريقة التي استهلك بها الإنسان الطبيعة حتى أفقدها براءتها الأولى.

 

ومن الناحية النقدية، يمكن القول إن العمل ينجح في خلق توازن دقيق بين البعد التربوي والبعد الأدبي، وهي معادلة ليست سهلة دائماً. فالنص لا يفقد روحه الجمالية رغم حضوره الفكري الواضح، كما أنه لا يسقط في الزخرفة اللغوية الفارغة. وهذا التوازن يمنح الكتاب قيمة خاصة داخل الكتابات المعاصرة التي تحاول الربط بين الثقافة البيئية والكتابة الإبداعية.

 

فإن «جمالية الماء» ليس كتاباً يُقرأ بعين المعرفة فقط، بل يُقرأ أيضاً بحس التأمل. إنه عمل يذكّر القارئ بأن الأشياء البسيطة التي اعتدنا المرور بجانبها قد تخفي عوالم كاملة من الجمال والمعنى. وربما تكمن قوة هذا الإصدار في كونه يعيد للماء صوته الرمزي والإنساني، بعد أن اختزلته الحياة الحديثة في مجرد مورد قابل للاستهلاك.

 

وفي النهاية، تنجح سهيلة أيت لحسن في تقديم نص يحمل هدوء الماء وعمقه في آنٍ واحد، نصّ يجعل من الجمال وسيلةً للوعي، ومن التأمل شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية ضد القبح والاستهلاك والنسيان. لذلك يبدو هذا الكتاب أقرب إلى دعوة مفتوحة لاستعادة حساسية الإنسان تجاه العالم، والإنصات من جديد إلى الموسيقى الخفية التي تسكن الأشياء البسيطة.

 

#الماء_بوصفه_مرآةً_للروح #قراءة_نقدية #كتاب #جمالية_الماء #سهيلة_أيت_لحسن