
الفنان التشكيلي ” محمد بازي ” .حارس الضوء وظل الحرف و حكاية من أزقة الفناء إلى خلود اللوحة
بقلم : طارق الأسمر …
في قلب درب السلطان، حيث الجدران العتيقة تتنفس عبق التاريخ، وتتشابك في أزقته الحكايات لتصنع ذاكرة مدينة لا تنام، وُلد ” محمد بازي ” عام 1959. لم يكن هذا الطفل الصغير الذي يركض حافي القدمين بين الدروب الصاخبة يدرك أن خطواته الأولى ليست مجرد عبور عابر في زقاق شعبي، بل هي مطلع قصيدة طويلة ستقوده إلى دروب الفن الفسيحة. كان يمتص دون وعي ألوان الجدران المقشرة، وأصوات الباعة، وملامح العابرين، مخبئًا في وجدانه شعلة ستجعله ذات يوم شاهدًا على عبور الجمال من خشبة المسرح إلى صمت اللوحة، ومن حبر الكلمة إلى انسيابية الخط.
ومع منتصف السبعينيات، كان المغرب يمر بمخاض ثقافي واجتماعي فريد، تتلاطم فيه أمواج الأفكار والرؤى. في هذه الأجواء المشحونة بالشغف، وجد الشاب ” محمد بازي ” نفسه منجذبًا إلى سحر مسرح الهواة. كانت الخشبة في تلك الحقبة فضاءً حرًا متمردًا، يعيد فيه الشباب صياغة أحلامهم وقضاياهم بجرأة لا تعرف القيود. هناك، بين كواليس العروض المترعة برائحة الخشب والدهان، وتحت الأضواء الخافتة للمسارح الشعبية، نضجت رؤيته للعالم، فاكتشف أن الفن ليس ترفًا هامشيًا بل هو ضرورة وجودية، وأن التعبير عن الذات قد يتخذ شكل كلمة هادرة، أو حركة جسدية راقصة، أو حتى صمت عميق بليغ يفوق كل كلام.
منمنته الخشبة و جرأة الوقوف في وجه الريح، وعلمته كيف يواجه عيون الجمهور الفاحصة، وكيف يجسد الفكرة المجردة ليجعل منها كائنًا حيًا ينبض بالحياة. لكن، رغم صخب التصفيق وهيبة المسرح، كان ثمة صوت خفي في أعماقه يهمس بلغة أخرى؛ لغة لا تُقال بالصوت، بل تُبصر بالعين، لغة تبحث عن مكانها فوق بياض مغاير لا تحده جدران المسرح.
والحقيقة أن هذه الروح الباحثة كانت قد بدأت رحلتها السرية قبل ذلك بكثير. ففي عام 1972، خطت أصابعه أولى محاولاته في الرسم. لم تكن تلك اللوحات المبكرة سوى تلمسات طفل يفتش عن هويته بين الألوان المبعثرة، لكن الطفل سرعان ما كبر، وأدرك بحدسه الفطري أن الفن التشكيلي ليس مجرد تلوين للمساحات، بل هو عملية هندسة بصرية للروح، وصياغة لأسئلة الوجود.
فانكب ” محمد بازي ” على تعلم قواعد الفن التشكيلي بولع وشغف كمن يتعلم لغة محبوب غائب. ولم يكتفِ باللون، بل تملكه سحر الخط العربي، ذلك الفن العصي الذي يوازن بمعادلة ساحرة بين طغيان الجمال وصرامة الدقة، وبين انسياب العاطفة وانضباط القاعدة. ولأن الموهبة تحتاج إلى صاقل، فقد قادته خطاه ليتتلمذ على يد جهابذة الخطاطين المغاربة، وكان أبرزهم الأستاذ الجليل ” مصطفى حمية “، الذي لم يلقنه الحرف فحسب، بل فتح بصيرته على أسرار الفلسفة الكامنة وراء انحناءات الحرف العربي، فصقل موهبته ووجه يده لتخط برؤية أعمق وأكثر نضجًا.
وفي عام 1985، كان الثمر قد نضج. خرج ” محمد بازي ” إلى الجمهور بمعرضه التشكيلى الأول بعد سنوات من الصمت والتكوين والتجريب. لم يكن المعرض مجرد رص للوحات على الجدران الباردة، بل كان بمثابة بيان ولادة لفنان يحمل فلسفته الخاصة. أعلن بازي من خلاله أن اللوحة ليست مساحة لونية للديكور، بل هي نص بصري متكامل، قصيدة صامتة تُقرأ بالقلب، أو ربما صرخة احتجاج هادئة لا تحتاج إلى حبال صوتية لكي تصل.
فمنذ ذلك الحين، غدا اسمه علامة فارقة في الملتقيات الثقافية والفنية داخل المغرب وخارجه. لم يكن يركض خلف الأضواء الزائفة أو بريق الشهرة المؤقتة، بل كان حضوره فرضًا لروح درب السلطان، ونبض المسرح القديم، وتجليات الحرف العربي التي يسكبها في لوحاته. فالخط عنده لم يكن مهارة يد يدربها لتكسب قوتها، بل كان عشقًا صوفيًا يرى في كل مدة قلم أو انحناءة كاف أو نون، طيفًا من طفولته البعيدة وتاريخ أمة كاملة. لم يقف عند حدود التقليد الأعمى للقواعد، بل ثار عليها بالتجديد، مزج الحرف باللون، وجعل من الكلمة عنصرًا تشكيليًا حيًا يتحرك داخل اللوحة بحرية، لا مجرد زينة هامشية.
و طوال مسيرته الحافلة، انهالت عليه التكريمات وحاز شهادات تقديرية من أعرق المؤسسات الثقافية. غير أن تلك الدروع لم تكن سوى محطات عابرة على طريق طويل آمن بأن العطاء فيه هو الغاية. فالوجاهة لم تكن مبتغاه، بل الرسالة والمسؤولية الإنسانية، وكون الفن نافذة مشرعة تطل على الذات وعلى الآخر.
و اليوم، وبعد أن غادر وظيفته الرسمية وأحالته القوانين على التقاعد، يقف ” محمد بازي ” ليثبت أن الفنان لا يتقاعد أبدًا. لا يزال يمسك ريشته بيمينه، ويحبر أقلامه، ويبدع لوحاته بذات الشغف الطفولي. إنه يعيش ممارسة الفن كفعل مقاومة يومي ضد القبح، مؤمنًا بأن كل شيء سيزول ولا يبقى في الذاكرة إلا الجمال. لقد تحول عبر السنين من عابر في الأزقة إلى ذاكرة حية لجيل كامل، ومرآة تعكس تحولات وطن.
فإن قصة ” محمد بازي ” لا يمكن لسطور سيرة ذاتية جافة أو قائمة معارض أن تختزلها. إنه حكاية إنسان مغربي أصيل سافر من رحابة الأزقة الشعبية ليرتقي بالفن إلى مقامات الروح الفلسفية. زاوج بين صخب المسرح وصمت اللوحة، وبين انضباط الحرف وحرية اللون، ليحفر لنفسه اسمًا خالدًا في وجدان الحركة التشكيلية المغربية. إنه باختصار درس حي في الوفاء للشغف، يعلمنا كيف نتمسك بالحلم في زمن الانكسارات، ويهمس لنا مع كل توقيع يذيله أسفل لوحاته
“الفن ليس مهنة نرتزق منها، بل هو حياة نعيشها بكامل تفاصيلها… ولو بصمت” …











