خرائط من رماد

خرائط من رماد

 

رضا الحديدي / مصر

 

وَيْلٌ لَنَا يا صَديقي

جِئْنَا هُنَا مُتَأَخِّرِينَ

سُكَارَى مِنْ نُعَاسِ القُرُونْ

نَحْمِلُ خَرَائِطَ مِنْ رَمَادْ

وأَنَاشِيدَ لَمْ تُغَنِّهَا حتّى الطُّيُورْ.

 

أَتَرَى؟

كُتِبَ عَلَيْنَا أَنْ نَصِلَ بَعْدَ الحِكَايَة

أَنْ نُجَالِسَ أَنْقَاضَ الكَلَام

أَنْ نُغَنِّيَ فِي المَقَابِرِ

نَفْتِّشَ فِي الحُطَامِ عَنْ قُبْلَةٍ لِلنَّجَاة

وَنُؤْمِنَ أَنَّ فِي الشَّكِّ اليَقِين

ومِنَ الوَهْمِ تُنْبِتُ أَعْشَابُ الحياة

هل فِي الكَوَابِيسِ يَخْفِقُ الأَمَلْ؟

ومِنَ الضَّلَالَةِ يَأْتِي المَدَدْ؟

وَمِنَ الشَّقَاوَةِ وَالظَّلَامْ

يُولَدُ الأَبَدْ.

 

آهٍ … يَا صَدِيقِي

الوَجَعُ فَاضَ وَها نَحنُ نَغْرَقْ

لَمْ يَبْقَ غَيْرُ الشِّعْرِ يَدْفِنُ مَوْتَاهْ

يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ عَلَى المَاءِ

وَيَبْكِيهِمْ نِيَابَةً عَنْ أُمٍّ لا تُجِيدُ الرِّثَاء

وَعَنْ أَبٍ بَاعَ المَرْثِيَّةَ لِيَشْتَرِي رَغِيفًا.

 

يَا شِعْرُ

يَا خِيَانَةَ الحَبِيبْ

وَيَا طَعْنَةً فِي خَاصِرَةِ المَعَانِي

اِمْضِ مَعَنَا وَلَوْ إِلَى السَّرَابْ

لكن …

هَلْ يُفِيدُ الشِّعْرُ فِي الزَّمَنِ الضّرير؟

حِينَ يُصْبِحُ الدَّمُ خُبْزًا

وَيُرْفَعُ الزَّيْفُ فَوْقَ المَنَابِر

وَيَصِيرُ الصِّدْقُ خَطِيئَةً لا تُغْتَفَر

وَيُسْكِتُونَ مَنْ شَكّا

 

مَا نَفْعُ القَصِيدَةِ يَا صَاحِبِي؟!

إِذَا صَارَ المعنيّ مَطْرُودَ الحُرُوف

وَالصَّمْتُ خَائِفًا مِنْ لَطْمِ الكُفُوف

والحقّ يَمْشِي حَافِيًا فِي الشَّوَارِع

وَتُهْدَى الأَوْسِمَةُ لِمَنْ تَعَلَّمَ كَيْفَ يُصَفِّقْ فِي الصُّفُوف؟

 

كُلُّ شَيءٍ هُنَا مُؤَجَّلْ:

الأَحْلَامُ مُؤَجَّلَة

العُمْرُ مُؤَجَّل

وَحَتَّى الحُزْنُ صَارَ مُؤَقَّتًا…

 

نَحْنُ أَبْنَاءُ الاِنْتِظَار

نَحْتَرِفُ التَّرَقُّبَ كَأَنَّهُ السَّبِيلْ

نَصْنَعُ آلِهَةً مِنْ وَرَق

وَنَعْبُدُهَا كَيْ لا نُقْتَلَ مِنَ الفَرَاغ.

 

لَكِنَّنَا نَكْتُبْ

فَهُوَ فَنُّ البَقَاءِ وَسَطَ الزِّحَام

أَنْ نَمُرَّ بَيْنَ الأَنْقَاضِ دُونَ أَنْ نَنْدَهِسْ

نَكْتُبُ رَغْمَ الانكسار

نَكْتُبُ كَيْ لا نَمُوتَ مِنَ الصَّمْت

نَكْتُبُ لأَنَّنَا نُحِبّ

وَلِأَنَّنَا مَا زِلْنَا نَحْلُمُ…

بِكَذِبَةٍ أَبْهَى مِنَ الحَقِيقَة.

 

نُغَنِّي كَيْ نَفْضَحَ هَذَا اللَّيْلَ النَّطِيعْ

يَنْثَنِي لِكُلِّ ضَوْء

وَيُصْغِي لِكُلِّ صَوْتٍ آتٍ مِنْ ظَلام.

 

أَيُّهَا اللَّيْلُ خُذْ ظِلَّكَ عَنَّا

دَعْنَا نَرَى عُيُوبَنَا بِوُضُوح

نُيَمِّمْ وُجُوهَنَا بِالطِّينِ

فَهُوَ أَطْهَرُ مِنْ بَعْضِ النَّوَايَا.

 

أَيُّهَا الأَمَلُ الحَقِير

خُذْ كُلَّ شَيء…

وَلَكِنْ دَعْ لَنَا هَذِهِ الشَّظَايَا

دَعْ لَنَا حَقَّ الهَذَيَانْ

فَالشِّعْرُ آخِرُ مَا تَبَقَّى

مِنَ الإِنْسَانِ فِي الإِنْسَان.