
مسافر نحو الضباب
قصة قصيرة
محمد فيض خالد / مصر
لا يزال يحمل هشاشة الماضي بكل تفاصيلها ، يذكرها جيدا ،وكأنها طقس يومي يمارسه ، أو واجب فرض عليه ليؤديه ، حتى بعد هجرته لسنوات ، وتغير حياته غير الحياة ، في تلكم البلاد الباردة ،التي يتشابه ليلها ونهارها صيفا وشتاها ، ما إن يخلع عنه ملابسه ، ويرتمي فوق الأريكة، حتى تتسلل لرأسه خيوط الذكرى ، الرفاق ، شمس الظهيرة ، تراب الجسور الملتهب ، النساء حفاة يحملن الجرار ، الصبيان يمتطوا ظهور الدواب ، يسقوا في عصبية الماشية ، أنداده يلقون بأنفسهم في قلب الماء باستسلام ،هربا من القيظ، تتساقط ابتسامته مع حبات الماء الفاتر ، يسند ذراعيه على الحائط، يرفع رأسه سعيدا ، يطالع الماء ساكنا ، يتبادر لذهنه المشوش خبال رقيق يرف، طيور في أحجام مختلفة تتوزع ، تضرب بأجنحتها العريضة ، تمزق بياض السماء تظلله، اعتاد صغيرا الاستلقاء فوق العشب ، يتمعن هذه اللوحة البديعة، يتلذذ ببرودة المساء الزاحف يلتهم الحقول في تراخي
صغيرا يجهل متاعب الحياة وشقائها، لكنه يعرف شيئا واحدا هو كل ما يعنيه، يعرف بفطرته أسرار الكون يغوص فيها كل يوم، مناجاة الطير ،يشعر بملاطفة الشمس لقطرات الندى، دغدغتها أوراق الشجر في جرأة المحب أوان الشروق، يثيره ذلك الكتاب المفتوح، المسبح بحمد الفتاح العليم ، ولما كبر واشتد عوده وبلغ رشده، وحرى عليه ما يجري على الرجال ، تعلق قلبه بحواء كدأب آدم في كل زمان ، عرف كيف يمنحها ابتسامة جذابة ، كيف يحوي الحية حتى تصبح وليفة ، طيعة ، تنجر ورائه في هيام ، تطمئن إليه فيطلع على خفاياها ويقف على سرها القديم ، كيف تجذب قلوب الرجال من تحت لمعة موشاة من عينيها ، ذلك الشبق المدفون بين الأهداب ،لكن هنا في هذه البلاد الباردة ، النساء مختلفات ، باردات كألواح الثلج وكتل الجليد ،العيون الزجاجية الجاحظة في رمادية باهتة ، كعيون الموتى ، لا حياة فيها ولا نبض، حتى المفاتن التي سمع بها قبل قدومه ، ها هي رخيصة مبتذلة ، مطروحة في الطرقات كتراب الجسور ، بلا قيمة يدوسها الشريف والوضيع ،المشاعر والأحاسيس والحب تحكمه المادة ، توجهه المصلحة التي لا تصون للود مكانا ،أما هناك وسط الحقول ،فنيران الحب مشتعلة في قدسية ، دائمة لا تنطفئ شعلتها مع مرور الأيام ،لا يمل المصطلي بها ” راوية” جارتهم ، لماذا ترف صورتها على ذهنه بهذا الإلحاح في هذه الدقائق ، تهف بشكل ملح لم يسبق أن شعر به ،حاول أكثر من مرة أن يجذبها إليه وسط حقل القطن ، تعلقا ببعضهما في حب خاطف لسنوات ، قبل أن تبتلعه مشاغل الدرس وهموم السفر، لكنه رغم هذا، يعي جيدا ما خفي من صورتها المفعمة بالأنوثة ، تفاصيل جسدها اللدن كشجرة الصفصاف ، شعرها الأسود المتموج في جدائل طوال تغرق ظهرها الأملس وتلامس عجيزتها الكبيرة ،عيناها الوديعتان في اتساع لافت ، نظراتها التي تفتح أمامه أبواب الأمل ،صوتها الناعس، المنطق في غناء يلهب مشاعر الصبايا ، ويجري الدماء في عروق الفتيان كالسحر ، فتشعل حماستهم وهم يلتقطون لوزات القطن.
كلمة أحبك أعز ما تملك القروية ، هي حياتها، رأس مالها ، مدخرها، فإذا أعطتك إياها فاعلم بأنها قد اسلمتك الروح والجسد، منحته ” راوية ” تلك الأحرف اليتيمة بعد حولين كاملين ،نطقتها في اجهاد في إعياء،تكاد تلفظ من بعدها أنفاسها ، قالتها وحمرة تغيم على قسماتها الحلوة ، تصبغ وجنتيها في حياء قروي عفيف ، لا يغيب عن خياله نظرها التائه ، صدرها المنتفخ وهو ينخفض ويرتفع في فوران أخاذ ، من بعدها هبت ريح باردة ، اهتزت على إثرها كشجرة التوت ، التقط ثمرتها من الأرض ، دسها بين شفتيها الطازجتين ، تمنى في نفسه ساعتها ، أن لو ألقهما شفتيه بدلا منها ،إنها لا تشبه ” كارولين ” محبوبته الجديدة في شيء البتة ،الأخيرة لم تكن صعبة عليه ، لم تتمنع عليه طويلا ، بعد أسبوع من تعارفهما ، منحته نفسها بسهولة ، اعتلى جسدها ، هي من بادرت ، قالت عنه ضاحكة :” إنك تبدو أمامي كفتاة بكر، أنتم أبناء الشرق مساكين، لا تأخذون الحياة ببساطة ، تعشقون التعقيد ، تالفون الخوارزميات ” ، يومها همست في أذنه في تغنج :” ضمني إليك أكثر، احرقني بنار فحولتك أيها الفرعون “، لكنه غاب قليلا عن وعيه ، لعن في صمت تساهلها ،اشمئز من هذا الرخص المبتذل، شتان ما بينها وبين محبوبته القديمة ” راوية ” ، تلك القروية العفيفة ، قطرة الندى النقية ، التي أقامت الدنيا ولم تقعدها ؛ لمجرد أن طالبها بقبلة ، قاطعته شهرا ،حرمت عليه أن يزاول خيالها عينيه ، استغفر من بعدها ألف مرة ، غسل لسانه من خطيئته سبع مرات ،لوم قلبه على استخفافه ،أقسم ألفا على ألا يعود سيرته الأولى، حتى كلمة ” أحبك ” بات يخشاها كالموت أو أشد رهبة ،إنه يخاف الحرمان ، الفراق ، القطيعة ، اغرق طويلا في ليالي العتاب حتى انهك ،وفي إحدى الأماسي حدق ببصره في عيني ” كارولين” ، تفحص بحذر ولأول مرة جلدها المصفر، ملمسه الشمعي ، أطرافها الباردة كدمية بلا روح ، العينان الزرقاوان ،وقاحتها ،قلة حياؤها، توددها لجميع الشبان ، نظرات الشبق التي تطرحها تشاغب بها الجميع ، نظراتها الرخيصة ، فجأة بدا الجد مرسوما على وجهه ، نفث في ضيق دخان سيجارته غاضبا ، تسلل بهدوء للخارج ، حاول التقاط أنفاسه ، لاح الوجود أمامه أشد قتامة ،افترشت أعمدة الضباب الشارع ، انهى ما تبقى من سيجارته وعاد ثانية للداخل ، شحب المكان في عينيه ،مد يده في ثورة إليها ، امسك يدها ، جذبها بقوة إليه ،حاول اقتيادها للخارج ، لحظتها اختل توازنها ، ترنحت تحت تأثير السُّكر، كاد أن تسقط ، انفجرت في وجهه تهزي بكلام قبيح ، توبخه ، تلعن جموده ،تنعته ببذيء الصفات :” يا لك من شرقي متوحش فظّ؟!” ، دارت الدنيا به الدنيا ، رآها أمامه وقد نبتت لها ألف رأس ، وألف لسان، حامت سحب الغضب من حوله، في عز ثورتها رمته بنظرة شهوانية هامسة إليه في عتاب ،ظل في صمته لدقائق ، قبل أن يطلق ضحكة هستيرية انخرك فيها دون توقف ،غادر المكان تصحبه ضحكاته الساخرة،في منتصف الطريق أصابته ارتجافة ، اهتزت روحه ، زاد وجيبه ، تكاثف الضباب من حوله في مشهد لم يألفه ، أصبح ثقيلا على غير المعتاد











