أدبٌ

أدبٌ… أدبٌ، وصخبٌ… صخب

أدبٌ أدبٌ… صخبٌ صخب

والكلُّ في الميدانِ ينتخب

هذا يُنظِّرُ في القصيدِ

ولم يكتبْ سوى ما قاله الخشب

وذاكَ يصرخُ: «أنا المتنبّي!»

فإذا سألناهُ… بهتَ وهرب

والشّعرُ جالسٌ في الزّوايا

يشكو من الضّوضاءِ ويغترب

آهٍ على دنيا العرب

الّتي صار الضّجيجُ بها هو الأدبُ!

فإذا ظهرَ حرفٌ له معنى

قالوا: غريبٌ… كيف يقتربُ؟

وفي ساحةِ الطّين، وقف ديكٌ من عصرِ النّحاس،يخطبُ في الغربان عن الموسيقى.قال:

«أنا وريثُ الرّيحِ الأولى

وحارسُ مكتبةِ القمر».

فصفّقتْ له الجرارُ المكسورة

وهزّتِ البوماتُ رؤوسَها وقاراً

بينما كانت اللّغةُ تفتّشُ عن فردةِ حذائها.

وعلى درجِ برجِ بابل

باع تاجرُ ضجيجٍ أكياساً من الفراغ

فقيل عنه: حكيمُ الأزمنةِ السّبعة

أمّا النّاسُ،فكانوا يَزِنُونَ الكلماتِ بميزانِ الطّبول، كلّما خفَّ المعنى، ازداد التّصفيق. وكلّما ارتفع الصّوت.

قالوا: ها قد نزل الوحيُ من مكبّرِ الصّوت.

آهٍ يا دنيا العرب…

حتّى النّهرُ صار يقرأ نشراتِ

والسّمكُ يحفظُ الخُطب

والغربانُ تمنحُ جوائزَ البلاغةِ للعواصف.

أمّا القصيدة

فكانت عجوزاً سريانيّةً تخبّئ قمحَها

في جرنٍ من ضوء

وتضحك…

كلّما مرَّ بها موكبُ الصّاخبين

تضحك…

حتّى تسقطَ من فمها نجمة

فخرجتْ من كهفٍ قديم

مَعْزَةٌ تعرفُ الأبجديّةَ أكثرَ من شعراءِ البلاط.كانت تمضغُ نجمة،

وتحلبُ أمثالاً سريانيّةً

تكفي لإطعام قريةٍ من الحكماء

أمّا الصّخب، فكان طبلاً أعمى يتدحرجُ من قرنٍ إلى قرن،حتّى ظنَّ النّاسُ أنّ الرّعدَ موظفٌ عنده…

وفي السّوقِ الكبير،

باع رجلٌ ظلَّه مقابلَ تصفيق

فاشترى تاجاً ومنبراً وألفَ مرآة

فصار يخطبُ في نفسه،ويصفّقُ لنفسه

حتّى انتصرَ على نفسه وسط هتاف الجماهير. وفي آخر اللّيل

كانت الكلماتُ الحقيقيّةُ

تنامُ تحت شجرةِ تينٍ عجوز

تتغطّى بورقةِ صمت

وتضحكُ من بعيد.

ضحكةٌ تشبه ارتعاش الماء

حين يرى وجهَ السّماءِ لأوّل مرّة

آهٍ يا دنيا العرب…

كم من طاووسٍ أضاع ذيلَه

وما زال يتباهى بريشِ الغيم

وكم من غرابٍ سرق خاتمَ الشّمس

وظنَّ نفسه سليمان

وكم من بئرٍ فارغٍ

يتحدّث عن أسرار البحر

أمّا القصيدة…

فلم تكن هنا.

كانت جالسةً فوق كتف الزّمن

تنحتُ من عظمة ملاكٍ مكسور

ناياً صغيراً

وكلّما نفختْ فيه

سقطتْ من أفواهِ الضّجيجِ أسنانُها الذّهبيّة.

وبقي المعنى…

يمشي حافياً بين الخرائب

كملكٍ قديمٍ نسي النّاسُ اسمه

لكنّهم كلّما رأوا أثرَ قدميه

انحنوا… دون أن يعرفوا لماذا.

 

ماجده الريماوي

فلسطين

٢١_٦_٢٠٢٦ غ