عندما تغيب الرحمة من قلوب ملوك الرحمة
بقلم: ماهر اللطيف /تونس
كان يمسك بطنه بكفّه اليمنى بقوة، يتلوّى، يبكي، ويصيح:
“أنجدوني أرجوكم… لم أعد أحتمل… إنني أموت!”
لكن لا أحد يجيب.
لا منقذ، رغم وجوده في قاعة الانتظار بقسم الاستعجالي، في ذلك الليل الثقيل…
كان المكان مكتظًا: مرضى وذووهم، من كل الأعمار والطبقات.
كلٌّ يحمل وجعه الخاص، قصته التي لا يشعر بها سواه.
هذا ينزف حتى كاد يغرق في دمه، وتلك شُوّه وجهها بموسى، وآخرون تتقاطع أنيناتهم في فضاء مشبع بالعجز.
ومع ذلك، بدا أن الممرضين والممرضات، والأطباء، وكل المسؤولين، لا يرون في هؤلاء سوى أرقام…
أرقامٍ مؤجّلة الدفع، لا تُفتح لها أبواب الكشف إلا بعد تسوية الحساب، مهما بلغت الحالة من خطورة، ولو كان صاحبها يصارع الموت.
اشتدّ الألم بأبي القاسم.
تعرّق جسده، واصفرّ وجهه، وارتجفت أطرافه.
ضرب الحائط بكفّه اليسرى، ثم اندفع برأسه نحوه، كأنّه يحاول كسر وجعه أو كسر نفسه.
انفتح رأسه، وانبثقت منه دماء ساخنة، بينما كان يتوسّل، يتذلّل، يقبّل أحذية العاملين هناك…
ولا مجيب.
اقترب منه رئيس الممرضين، وقال ببرود قاتل:
– كفاك تمثيلًا أيها العجوز… أداؤك رديء.
رفع أبو القاسم رأسه بصعوبة، وعيناه تستغيثان:
– أرجوك يا بني… أنقذوني… السمّ يتغلغل فيّ… يمزّق أمعائي…
قاطعه بملل:
– وماذا تريدني أن أفعل؟ الأطباء مشغولون… انتظر دورك.
صرخ، وقد انكسر صوته:
– لا أستطيع… أقسم لك أنني أموت…
لكن الرجل انصرف، وأغلق الباب بعنف.
تركه يتكلم… يتهاوى… يذوب في وجعه.
وبصوت متقطع، بدأ أبو القاسم يحكي، كأنّه يودع العالم:
“استدعاني علي، زوج ابنتي، للعشاء في منزله القريب جدا من هنا…
قال إنه يريد الصلح مع نبيلة، بعد أن غادرت البيت منذ شهر بسبب خلاف مادي.
حين عاتبته، غضب… شتمني… وكاد يضربني.
ثم اعتذر… قدّم لي كأس عصير… وأصر أن نشرب ما بكأسينا معًا دفعة واحدة…
وما إن شربت… حتى ضحك…
ضحك بصوت عالٍ… وقال إنه سمّمني…
سمّ الفئران…
قال إنه سيتخلّص مني…
ويسهل عليه بعدها الاستيلاء على مال نبيلة… وكل ما تملك…”
تقطّع صوته.
اتّسعت عيناه، وارتجف جسده.
ثم صرخ بأعلى ما بقي فيه من حياة:
“أشهد أن لا إله إلا الله… وأشهد أن محمدًا رسول الله…”
خرّ على ركبتيه،
وضرب الأرض بكفّيه،
وامتزجت دموعه بدمه،
تسقي الأرض… وتشهد عليه.
الناس من حوله يذكرون الله، تتسع دوائر التعاطف، ترتفع الهمهمات…
إلا أصحاب الميدعات البيضاء…
لم يحضروا.
لم يتحرّكوا.
حتى سقط مغشيًا عليه.
حينها فقط،
ارتفعت الصيحات،
وه
رع الجميع…
وبدأ السباق مع الموت…
بعد أن كان… في المتناول تداركه.




































