الشرفاء

(الشرفاء) !!!

 

بقلم : زياد أبوصالح/ فلسطين

 

لم يكن الفجر في القرية يأتي محمّلًا بالرجاء، بل كان يجيء مثقلاً بوجوهٍ شاحبة، وأبوابٍ مغلقة، وجيوبٍ خاوية. هناك، في زقاقٍ ضيّق، كان “أبو خالد” يجلس كل صباح أمام بيته، يحدّق في الطريق، كأنّه ينتظر رزقًا تأخّر كثيرًا.

ثلاث سنواتٍ مرّت عليه وهو عاطل عن العمل. ثلاث سنواتٍ من الانتظار، من الطرق على الأبواب، من الوعود التي لا تصل، ومن الديون التي تتكاثر كالغبار فوق كتفيه.

كان قد باع سيارته، ثم باع أثاثًا من بيته، حتى لم يبقَ إلا ما لا يُباع: نظرات أطفاله الجائعة.

في الليل، كانت زوجته تسأله بصوتٍ خافت:

— “معك شيء للغد؟”

فيهزّ رأسه بصمت، لأن الكلمات صارت أثقل من أن تُقال.

لم يكن وحده.

القرية كلها كانت تغرق في الحكاية ذاتها:

رجالٌ يستدينون من البقالة، وأسماءٌ تتراكم في دفاتر الديون، ومحاكم تنتظر تحصيل ما لا يُحصّل.

وحين ضاقت الأرض، اتّسعت المخاطرة.

لم يعد أمام “أبو خالد” وأمثاله إلا طريقٌ واحد: العبور خلسةً إلى حيث العمل… حيث الخطر. خرجوا من بيوتهم يحملون وجعهم على أكتافهم ، ويتركون خلفهم أطفالاً ينامون على وعد الغد .

في تلك الليلة، لم يكن الاتفاق كما ظنّوا.

لم تكن هناك سيارات عادية. كانت شاحنة… شاحنة قمامة. نظر بعضهم إلى بعض، تردّدوا لحظة، لكن الجوع كان أسرع من التردد. صعدوا. ثمانيةٌ وستون رجلًا، حشروا أجسادهم بين الروائح الخانقة، بين العتمة والاختناق، وبين خوفٍ لا يُرى. وحين أغلقت الأبواب ، شعر ” أبا خالد ” ومن معه أن العالم كله قد أغلق في وجوههم . ومضت الساعات بطيئة… الروائح تخنق ، والهواء ينفد ، والوجوه تبهت ، والوقت يتحول إلى سكين بطيء .

أربعة ساعاتٍ من العتمة والروائح التي لا تُحتمل.

أحدهم بدأ يقرأ آيات بصوت مرتجف ، وآخر كان يضحك .. ضحكةً تشبه البكاء .لم يكن أحدٌ منهم يفكر في الموت ، بل كانوا جميعاً يفكرون في الحياة.

وحين توقّفت الشاحنة، لم يكن الخروج نجاة. سقط بعضهم مغشيًّا عليه، وأُمسك بالباقين. ضربٌ، إهانات، اعتقالات وغرامات… كأنّهم اقترفوا جريمة، لا أنهم بحثوا عن لقمة خبز.

وفي زاويةٍ ما، جلس “أبو خالد”، يضمّ صدره بيدٍ مرتجفة، ويتمتم: “لم نطلب سوى العمل…”

في الصباح، امتلأت أجهزة التواصل الاجتماعي بكلماتٍ قاسية. سخر البعض، وتهكّموا، وتناسوا أن الجوع لا يُرى في الصور، وأن الكرامة حين تُحاصر، تبحث عن أي منفذ. لكن الحقيقة كانت أبسط من كل ذلك: هؤلاء لم يكونوا ضعفاء… كانوا شرفاء.

رجالٌ رفضوا أن يمدّوا أيديهم،فاختاروا أن يغامروا بأرواحهم بدل أن يبيعوا كرامتهم.

عاد ” أبو خالد ” في تلك الليلة، مكسور الجسد، لكنه لم يكن مكسور الروح. نظر إلى أطفاله النائمين، وقال في نفسه: “سأحاول مرةً أخرى…” لأن الجوع لا ينتظر، ولأن الكرامة، حين تكون حقيقية، لا تنكسر… حتى لو مرّت من شاحنة قمامة. وحين تضيق الحياة، لا يُقاس شرف الإنسان بما يمرّ به، بل بما يرفضه… رفضوا الذل فبقوا شرفاء … وهؤلاء ذهبوا يفتشون عن حياة بها كرامة … فلم يجدوها سوى في شاحنة لنقل القمامة .!