
حين تتحول النظرات إلى مرايا مكسورة.
مقاربة نقدية لقصة (ساكسونيا) للأديبة دعاء محمود
بقلم: محمد جمال ريحاوي .
الأستاذة الكريمة دعاء محمود،
قرأت نصك كما يُقرأ مشهدٌ طويل من مسرح الحياة، لا باعتباره حكاية عن امرأة في مقهى، بل بوصفه مرآة دقيقة لطبائع البشر حين ينظرون ولا يرون. لقد بدأتِ من صورة بسيطة مألوفة في الذاكرة الشرقية: بائع «ساكسونيا» الذي يبدّل الخردة بزخارف لامعة، فإذا بكِ تُحوّلين هذه الصورة إلى مفتاحٍ رمزي يفتح باب النص كله؛ فكما كان ذلك البائع يبيع الزينة مقابل ما هو أثمن، رأينا في المقهى أشخاصًا يبدّلون الحقيقة بخيالهم، والإنسان بما ينسجونه عنه من ظنون.
هنا تكمن براعة النص؛ فقد جعلتِ المكان العابر مسرحًا نفسيًا مكتظًا بالشخصيات الخفية. المرأة في المقهى لا تفعل شيئًا استثنائيًا: تجلس، تتحدث في الهاتف، تشرب قهوتها، وتدخن. ومع ذلك تتحول في أعين الجالسين إلى عشرات الحكايات. كل عين تكتب روايتها الخاصة عنها، وكل عقل يصنع لها سيرة لم تعشها. وهكذا يصبح المقهى، في سطورك، أشبه بمختبر اجتماعي تتكشّف فيه طبقات الوعي واللاوعي معًا.
ما شدّني في نصك أنك لم تديني أحدًا صراحة، بل تركت الشخصيات تكشف نفسها بنفسها. العجوز الذي يرى فيها انحلالًا، والشاب الذي يراها فرصة سهلة، والرجل الأربعيني الذي يحيك لها شبكة من الخداع، وحتى النادل الذي بدأ بالإعجاب وانتهى بالرغبة… جميعهم لم ينطقوا كثيرًا، لكنك جعلت أفكارهم تتكلم ببلاغة فاضحة. وهنا يظهر الحس القصصي الناضج: أن تدعي القارئ يرى الحقيقة دون أن تقوليها مباشرة.
أما المرأة نفسها، فقد بقيت في النص كائنًا صامتًا لكنه أكثر وعيًا من الجميع. هي لا تشرح نفسها، ولا تدافع عنها، ولا تعبأ بالعيون التي تنسج حولها الحكايات. حضورها في النص يشبه حضور الحقيقة حين تمر بين الناس: يفسرها كل واحد بما يناسب خياله، بينما هي تمضي في طريقها غير معنية بتأويلاتهم.
ولعل أجمل ما في البناء الفني للنص تلك المفارقة بين البداية والنهاية. بدأنا ببائعٍ يبدّل الخردة بزخارف «ساكسونيا»، وانتهينا بجماعة من البشر يبدّلون إنسانًا حيًا بأوهام صنعوها في رؤوسهم. وهنا تتجلى الفكرة العميقة التي تلمع بين السطور:
ليس الخداع دائمًا في ما يُعرض علينا، بل أحيانًا في القصص التي نخترعها نحن عن الآخرين.
لقد كتبتِ نصًا يذكّر القارئ بأن العيون ليست بريئة كما نظن، وأن النظرة قد تكون أحيانًا قناعًا للخيال أو مرآة لما نحمله في داخلنا. ولهذا خرج النص من كونه حكاية عن امرأة في مقهى، ليصبح تأمّلًا اجتماعيًا دقيقًا في آلية الحكم على البشر.
تحيتي لكِ على هذا النص الذي يمشي بهدوء، لكنه يترك في الذهن ضجيجًا من الأسئلة. ففي الأدب كما في الحياة، ليست الحكاية دائمًا فيما يحدث أمامنا… بل في ما يحدث داخلنا ونحن ننظر.
محمد جمال ريحاوي
الثلاثاء7/4/2026
قصة : ساكسونيا
ينادي بأعلى صوته ـ ساكسونيا سا سا سا ساكسونيا ـ متجوِّلا يوهمنا بأنّه يبدِّل أفخر أنواع الأواني الَّتي لديه بما تحويه بيوتنا من خردة قديمة، ضجيج صوته يجعل الأمّهات تتكالب على بضاعته ظنًّا منهم أنَّه تاجر عظيم، فيكتشفون بعد عدّة مرّات من استخدامها أنَّها لا تساوي مقدار ما بدَّلوه بخردتهم، تتكرَّر يوميًّا التِّجارة، تبديل القديم بزخارف ـ ساكسونيا ـ في الحيِّ الهادئ القديم، منذ عشرات السّنين.
نزلت من سيارة فارهة، جلست في مقهى كبير عصريٍّ في أحد المناطق الرَّاقية، هي شديدة الجمال، رائعة المنظر محتشمة إلى حدٍّ كبير؛ حجاب يُغطي الكثير، تتحدَّث في الهاتف لا تعبأ بالجالسين، نبرة واثقة، كلمات راقية يبدو أنّها مكالمة عمل.
خلعت عنها المعطف الطَّويل؛ ليُظهر ملابس ضيقة مقارنة بحجابها، علّقته خلفها على الكرسيِّ، أكملت المكالمة، بابتسامة المعجب المحترم.
وضع النَّادل بجوارها القائمة.
لم تهتم بها طلبت فنجان من القهوة فقط، أكملت المكالمة.
بدأت سحبُ الشِّتاء تكشِّر عن أنيابها، دمعت السَّماء، لم تنتبه إلى المطر، متعمّقة في مكالمتها،
وضع النَّادل عليها كبسولة شفافة تقيها من المطر ـ كعادة المقاهي الكبرى في الشِّتاء ـ ابتسمت له شاكرة، وأكملت المكالمة.
مع أوَّل رشفة من القهوة أخرجت علبة سجائرها، بدأت تُدَّخن، الواحدة تلو الأخرى، تبدَّلت الأنظار، بدأت الحكايات تُنسج حولها.
كلٌّ يحكي حكاية في فكره، يدعمها بوجهة نظره، حكايات تنسجها العيون.
يعجُّ المقهى بحكايات، أحاديث، ضوضاء الصَّمت يملأ المشهد الرَّهيب.
الكاهل العجوز الجالس تحت المظلَّة يقرأ الجريدة؛ فتاة منحلَّة، تلبس لباس التَّقوى توهمنا بأنَّها قديسة، بدَّلت تقاليدها بما تراه في الغرب، ما الَّذي يجبرها على الحجاب، فلتخلعه أفضل من خداعنا.
الشَّاب الَّذي يدخِّن في الوسط منتظرًا فتاته؛ ليتها تعتذر، فتسنح لي الفرصة بالتَّعرف إليها، فتاة متحرّرة أقيم معها علاقة سهلة.
الرَّجل الأربعيني الجالس في انتظار موعد عمل؛ فتاة جميلة، تخطَّت الثَّلاثين، غير مرتبطة، لا تلبس خاتما، فرصة عظيمة للتَّعرف.
قد أنسج لها من خيوط العنكبوت قصًّة عن بشاعة زوجتي، أوهمها بالزَّواج، أقضي معها وقتًا ممتعًا، مكالمات هاتفية ـ إنّها متحرّرة عصريَّة ـ قد تتطوَّر لتصبح مكالمات جنسيَّة، ألهو معها بعض الوقت، ثمَّ أتركها؛ فأنا لا استطيع خيانة زوجتي، أو أن أتزوَّج عليها.
سيِّدة مسنَّة مع ابنها الكبير جاء ليرفّه عنها بعض الوقت خارج المنزل، بخبرة السِّنين، نسجت فتاة شرقيَّة، طحنتها الحياة ،حتَّى وصلت، لتُطفىء حزنها في سيجارتها، تحاول التَّمسك بتقاليد عروبتها فتشدّها الحياة العصريَّة، التَّحرر الزَّائف، تُحاول التَّماشي مع تقليد العصر الحديث، لتجد لنفسها مخرجًا من قيود قديمة، بدَّلت بعض الأعراف بزخارف غربيٍّة شكليٍّة، لا عن اقتناع أو تربيَة متأصِّلة فيها، بل لتجاري الحياة الحديثة؛ تترقَّى في عملها، تجد رفيق روحها فتكمل معه حياتها.
يداها النَّاعمتان تُوحيانِ بترف متأصِّل، عيناها الواسعتان الشَّاردتان تُخبران بما مرَّ في حياتها من مصاعب لا يقوى على حملها الكثير.
توَقّف المطر، أزال النَّادل الكبسولات عن الجالسين، نظرت نظرة عابرة لمن حولها، نسجت فكرة سريعة عن كلٍّ منهم، تركت للنَّادل حقِّ القهوة بزيادة محترمة فرح بها، نظر إليها نظرة المعجب المشتهي، بدَّل لمحة الاحترام الأولي بقصَّة خائبة في خياله كما فعل الآخرون.
تكمل المكالمة، وهي تغادر مبتسمة غير عابئة بهم.
الكاتبة الصَّحفية/ دعاء محمود
دعاءقلب
مصر











