مسافات …

بقلم … محمد علي اعفارة

 

مسافات …

خاطرة …

 

 

أشهقُ دوماً حين أتلفتُ حولي فلا أجد غيرَ الصمت، يرفع راياته العالية! كأنَّ الأفواه نسيت الكلام! كأنَّ العيونَ نسيت النظر! لماذا هذه المسافاتُ بين الأهل، بين الجيران، بين نبضات القلوب؟! لماذا ارتمينا في أحضان العتمة، ورصَّعنا أوقاتَنا بأحجارٍ ليست كريمة؟!

عيونُنا معلَّقةٌ على سياج الخوف والعوسج!

نوارسُنا نسيت بياضَها أمام مذبح الشيطان!

أحلامُنا تعرَّت من أحلامها في غيبوبة الأمل!

أيادينا نسيت التلويحَ للحاملينَ قناديلَ الصبح! لماذا؟ لماذا؟

يهمس لي صوتٌ ينبتُ في زاويةٍ من رأسي: هي الظروف الفاحمة التي تحيط بنا تبني بيننا هذه الجدرانَ الخفيَّة، لكنني أقول لذلك الصوتِ الهامس: آباؤنا وأجدادنا مرُّوا فوق جسور المرارة، احترقوا، عانوا، ولم يحصل لقلوبهم ما حصل لقلوبنا!

حين مات جدّي مشى نعشه مكللاً بألف وردة، وألفِ تلويحةِ وداع من أهله وجيرانه، بل كانت شاهدةَ قبره عنوانٌ لحي لم يمت! 

أبي ماتَ وتابوتُه حملته الأيدي والقلوب عالياً.. عالياً، وكان مرصَّعاً بدموع المودِّعين والأحباب! ومازال زيتونُ كَرمِه الغربي يُلوِّح للعابرين مذكِّراً إياهم بمواويله. 

ما زال صوتُه محفوراً على وجه التين والزعرور والدودحان والورد البري.

لماذا هجرنا نحن أبجديةَ المحبة، وهجرت صباحاتُنا

تراتيلَ الصبايا، وأناشيدَ السنابل؟!

الأجوبةُ طيورٌ بعيدة لا تقتربُ مني، وسمائي فارغةٌ مطليةٌ بالصدأ.. بالصمت البارد!

لكنني أُدير الوجه عن سمائي وصمتِها، وأتجه إلى نافذةِ اللهفة، أقفُ هناك منتظراً عصفوراً يأتي لنغرِّدَ معاً لبراعم الأمل.. لبراعمِ الضوء.. لمنديلٍ قادم سيمسح دموعي ودموعَ الوطن المرتجفِ كطفل أمام ظلمةٍ تكاد تطمسُ كلَّ الدروب والجهات!

بقلم … محمد علي اعفارة