
عشيقات الخفاء
حين اختبأت حواء المغربية خلف “الستار المغلق” للمسرح
بقلم : طارق الأسمر
ظلت خشبة المسرح المغربي، لعقود طويلة ممتدة، أشبه برقعة شطرنج تخلو تماماً من قطعة “الملكة”، صرحاً إبداعياً يُشيّد بأصوات الرجال، وتُرسم معالمه بعيونهم، بينما توارت المرأة خلف الكواليس، يلفها صمت ممتد وشغف مؤجل. لم يكن غياب النساء عن بدايات الحركة المسرحية في المغرب مجرد مصادفة تاريخية عابرة أو زهدٍ تلقائي في الفن، بل كان نتاجاً لتقاطع معقد ومحكم بين التحفظ الاجتماعي الصارم، والتأويلات الثقافية السائدة، والنظرة الهيكلية التي حاصرت الإبداع بالريبة، وجعلت من اعتلاء الأنثى لمنصة الضوء مغامرة غير محمودة العواقب تتطلب شجاعة استثنائية.
وفي بداية القرن الماضي ومع تشكل البدايات الأولى لمسرح الهواة والفرق الجوالة، كان المجتمع المغربي يتعامل مع التمثيل بكثير من الحذر والوجل، يُنظر إلى الخشبة على أنها مساحة مكشوفة تتصادم بشكل مباشر مع الأدوار التقليدية للمرأة التي أُطّرت لعقود طويلة بحدود البيت والحجب.
حيث كان خروج المرأة لمواجهة الجمهور والعزف على وتر المشاعر الإنسانية أمام الغرباء يُقرأ في أغلب الأحيان كخروج عن طاعة العرف وقواعد الحياء، وليس كفعل إبداعي راقٍ. هذا الانغلاق جعل خوض هذا المجال خياراً محفوفاً بالوصم والرفض العائلي القاطع، حيث كلف الحلم الكثير من الرائدات قطيعة أسريّة، وأحياناً عزلاً اجتماعياً تاماً لم يكن من السهل تحمله.
فقد أدت الندرة الحادة في الممثلات إلى ولادة ظاهرة مسرحية غريبة سادت لعقود، وهي لجوء المخرجين والفرقاء المسرحيين إلى أداء الأدوار النسائية بواسطة الرجال. استعان الراديكاليون المسرحيون بالأقنعة والمكياج وتغيير النبرات وتصنع المشية النسائية لملء الفراغ الذي تركته حواء.
لأن تغييب الجسد أدى هذا الحل التلفيقي إلى حرمان النص المسرحي من التعبير الصادق عن وجدان المرأة وعواطفها الحقيقية.
والنمطية الفكاهية التي حُوّلت الأنثى في كثير من الأحيان على الخشبة إلى مجرد كائن هزلي يُستخدم للسخرية والإضحاك بدلاً من طرح قضاياها الكبرى بعمق، وترسيخ العزلة أُعطي الانطباع للجمهور بأن المسرح يمكنه الاستغناء عن العنصر النسائي، مما زاد من تعقيد مهمة اقتحام المرأة لهذا العالم.
حيث لم يكن الجدار الاجتماعي هو العائق الوحيد، بل كانت هناك عقبة هيكلية تتمثل في غياب الفرص التعليمية والفنية للمرأة، بينما حظي الرجال بفرص السفر، والتأطير في المعاهد الشاطئية، والمشاركة في البعثات الاستعمارية أو المهرجانات العربية والمحلية، فقد كانت المرأة تعاني من أمية فنية فرضتها الظروف القاسية آنذاك، و عدم وجود معاهد متخصصة تحمي الموهبة وتمنحها الشرعية الأكاديمية جعل انضمام السيدة إلى فرقة مسرحية ركوباً لموجة عالية المخاطر دون غطاء مؤسساتي يقيم لها اعتباراً يحميها من نظرات الشك والريبة.
وحتى عندما نجحت بعض الرائدات الشجاعات في تسلل ضوء شاحب من بين الشقوق واعتلاء الخشبة بأدوار خفيفة أو تحت أسماء مستعارة، جاء دور التاريخ ليتمم حلقة الإلغاء. كان المؤرخون والناقدون الأوائل للمسرح المغربي من الرجال، ووقع كتاب التاريخ في فخ الانحياز غير المقصود، فهُمشت التضحيات الفردية للنسوة، ولم تُسجل الأدبيات الأولى سوى أسماء الرواد الكبار.
فقد بقت سِيَر الممثلات الأوائل طليقة في الحكايات الشفهية والذاكرة المنسية، دون أن تجد لها مكاناً لائقاً في وثائق الحركة الفنية الوطنية، وكأن التاريخ اتفق مع المجتمع على إبقائهن في منطقة الظل.
فإن قراءة هذا التاريخ السري لغياب المرأة لا تهدف إلى البكاء على أطلال الماضي بقدر ما تسعى لاستيعاب حجم المعجزة التي تحققت لاحقاً. إن قسوة الستار المغلق لم تكن سوى مخاض أليم؛ إذ شكلت ذلك القمع التراكمي الشعلة التي فجرت الطاقات النسائية في العقود الأخيرة، لتتحول المرأة المغربية من كائن غائب ومُستحضر بالتنكر، إلى صانعة مجد المسرح المعاصر؛ كاتبةً، ومخرجةً، وصوتاً صارخاً يملك الخشبة ولا يمكن أن يغيب عنها مجدداً …
رفعت للتصميم













