
الاختلافُ امتحان
لا تُكشَفُ حقيقةُ الإنسانِ في لحظاتِ الوُدِّ والرُّومانسيَّةِ، بل في مواقفِ الاختلافِ. ففي أوقاتِ الانسجامِ يبدو الجميعُ ألطفَ ممّا هم عليه، أمّا حين تتباينُ الرُّؤى وتتعارضُ الإراداتُ، فتتراجعُ الأقنعةُ وتظهرُ الأخلاقُ على حقيقتِها.
فالاختلافُ ليس امتحانًا للأفكارِ بقدرِ ما هو امتحانٌ للقِيَمِ.
عنده نعرفُ مَن يحترمُ الرأيَ الآخرَ وإنْ خالفَهُ، ومَن يُحوِّلُ المخالفَ إلى خصمٍ.
فالصّبرُ لا يُعرَفُ إلّا عند الاستفزازِ، والتّسامحُ لا يُمتحَنُ إلّا بالإساءةِ، والعدلُ لا يظهرُ إلّا حين تكونُ المصلحةُ لغيرِ صاحبِهِ.
وأجملُ العلاقاتِ ليسَت تلكَ الّتي تخلو مِن الخلافِ، بل تلك الّتي تعبرُهُ دونَ أنْ تفقدَ احترامَها.
فالرُّومانسيَّةُ تكشفُ مقدارَ الحُبِّ، أمّا الاختلافُ فيكشفُ نوعَهُ:
الأُوْلى تُظهرُ مشاعرَنا، والثّاني يُظهرُ أخلاقَنا.
غيرَ أنَّ للاختلافِ بُعدًا أعمقَ، فالحقيقةُ لم تتقدَّمْ يومًا في طريقٍ خالٍ مِن التّباينِ.
والعقلُ لا يكتشفُ حدودَهُ إلّا حين يلتقي بعقلٍ آخرَ، والفكرةُ لا تعرفُ ما فيها مِن قوَّةٍ أو ضَعفٍ إلّا إذا وُضِعَتْ في مواجهةِ ما يُخالِفُها.
ولعلَّ الخطأَ الأكبرَ أنْ نَعُدَّ الاختلافَ خللًا في الحياةِ، بينما هو مِن طبيعتِها.
فالحقيقةُ أوسعُ مِن زاويةِ نظرٍ واحدةٍ، وما يراهُ أحدُنا قد يكونُ صحيحًا، لكنَّهُ ليس بالضّرورةِ كاملًا.
لذٰلكَ ليس كلُّ اختلافٍ صراعًا بين حقٍّ وباطلٍ، بل قد يكونُ لقاءً بين أجزاءٍ متفرِّقةٍ مِن الحقيقةِ ذاتِها.
مِن هنا يصبحُ الاختلافُ مقياسًا لنُضجِ الأفرادِ والشّعوبِ.
فالمجتمعاتُ المتخلِّفةُ تخشى التّعدُّدَ وتخلطُ بين الوحدةِ والتّشابهِ، أمّا المجتمعاتُ الحيَّةُ المتطوّرةُ فتدركُ أنَّ الوحدةَ لا تقومُ على إلغاءِ الفوارقِ، بل على القدرةِ على التّعايشِ معها.
لذٰلكَ يُمكنُ القولُ إنَّ طريقةَ التَّعاملِ مع الاختلافِ هي وحدةُ القياسِ الحقيقيَّةُ للتخلُّفِ والرُّقيِّ معًا.
فالاختلافُ موجودٌ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، لكنَّ الفارقَ يكمنُ في تحويلِهِ إلى حوارٍ أو إلى عداوةٍ، وإلى جسرٍ أو إلى جدارٍ.
فالإنسانُ لا يُقاسُ بما يعتقدُهُ حقًّا، بل بما يفعلُ حين يُواجِهُ مَن يعتقدُ غيرَ ذٰلكَ.
وهناكَ، بين التّمسُّكِ بالحقيقةِ والرِّفقِ بالإنسانِ، تُولدُ أرقى صورِ الإنسانيَّةِ.
وإذا كانتِ الحقيقةُ ثابتةَ الموقعِ ككُرويّةِ الأرضِ، بينما تتبدَّلُ صورتُها بتبدُّلِ مواقعِ النَّظرِ إليها، فهل تكمنُ مشكلةُ الإنسانِ في غيابِ رؤيةِ الحقيقةِ كاملةً، أم في الخلطِ بين الحقيقةِ وزاويةِ أبعادِها؟
وإذا كانتِ الحقيقةُ واحدةً في ذاتِها، ومتعدِّدةً في صورِ ظهورِها، فكيف نُقنعُ الإنسانَ بأنَّ اختلافَ الرُّؤيةِ لا يعني بالضَّرورةِ اختلافَ الحقيقة؟
عايدة قزحيّا
من “مقالاتي”












