حين تصير الثقافة روح لا ذاكرة « منتدى القشم الثقافي التنموي »

تجربة ثقافية استثنائية: منتدى القشم الثقافي التنموي..

مقدمة:حين تصير الثقافة روح لا ذاكرة  كتب … صالح حمود

 

يقول المثل الفرنسي: “الثقافة هي آخر ما نتذكره بعد نسيان كل شيء”، لكن تجربة منتدى القشم الثقافي التنموي تردّ عليه بانتصارٍ جميل: الثقافة ليست آخر ما يُنسى، بل هي أوّل ما يُحيي، هي الروح التي تنبض في كل شيء، وبدونها يظلّ الإنسان يجهل روح المعرفة، وجوهر القيم، ونبض الحضارة. ففي زمنٍ غابت فيه الثقافة عن دعمٍ رسميٍّ، وخبا فيه وهج المثقفين تحت وطأة التجهيل وقسوة العيش، برزت في منطقة الشعيب – منذ العام 2000م – تجربةٌ فريدة، صُنعت بروحٍ مؤسسيةٍ نادرة، بجهودٍ متواصلة من داعمٍ نبيلٍ،

هو الشيخ الجليل محسن ناصر القشم، مؤسس وراعي منتدى القشم الثقافي التنموي؛

تلك المنارة التي أضاءت دروباً كثيرة في جنوب البلاد، وأثبتت أن المثقف الحقيقي ليس مَن يكتب النص فحسب، بل مَن يشعل النور في طريقه أوّلاً، ويكسر قيود اليأس

ثانياً.  التجسيد المؤسسي للرسالة الإنسانية عندما سألتُ الشيخ محسن – في حوارٍ نُشر بمجلة القشم قبل عامٍ ونصف – عن الأولوية التي وقف أمامها المنتدى منذ نشأته، كان جوابه عميقاً وحاسماً: “محاربة تجهيل التعليم كانت الأولوية الكبرى، في ظروفٍ تتطلب تشجيع التعليم أولاً، وترسيخ ثقافة التعلّم ثانياً، لتكون الثقافة هي الغاية. فلا ينفصل التراث عن مستقبلنا، وجمعُه وإعادة إنتاجه شاهدٌ حيٌّ على هويّتنا، وملامح تميّزنا بين الأمم.” وهكذا، لم يكن المنتدى مجرد صالةٍ للندوات، بل جسراً حضارياً بين الذات المثقفة ومحيطها، بين الإرث والمعاصرة، وبين الفرد والجماعة. رسالته تجاوزت الجغرافيا، فمدّ جسوراً مع أكاديميين ومثقفين وشعراء من الوطن العربي وخارجه، بدعمٍ سخيّ من رجلٍ يمارس الإنسانية كأسلوب حياة. — عطاءٌ لا يتوقف: الرياضة، التنمية، والتعليم يتجلّى الدور الأكبر للمنتدى في دعم الرياضة والتعليم والتنمية، لكنه لا يعلن عن ذلك بصخب، بل بفعلٍ تلقائيٍّ نابعٍ من إدراكٍ عميقٍ لدى مؤسّسه؛ فكل محطات المنتدى كانت مشرعةً على الحياة، حاملةً هموم المجتمع وآماله، ومؤكّدةً أن الثقافة ليست نخبويةً معزولة، بل نبضٌ يوميٌّ يلامس الواقع ويشكّله. في أحلك أوقات الحروب وعدم الاستقرار التي تعيشها كثير من بلداننا العربية، ظلّ هذا المنتدى شاهداً على أن التجارب الإنسانية النابعة من قناعاتٍ أخلاقيةٍ راسخة، قادرة على صنع مستقبلٍ جمعيٍّ فاعل، إذا ما توافرت الإرادة، وتوقدت النية، وامتلكت الروحُ بصيرةَ النور.

خاتمة: منارةٌ لا تغيب تجربة منتدى القشم الثقافي التنموي ليست مجرد قصّة نجاح محلي، بل نموذجٌ يُحتذى في كيف تكون الثقافة ركيزةً للتنمية، وقوةً للمقاومة، وأداةً لبناء الذات والمجتمع. إنها تذكيرٌ بأن المثقف النبيل ليس من يترصّع بالعبارات، بل من يصنع منها جسوراً، وأن المؤسسة الثقافية الحقيقية تولد من رحم التحدي، لا من رفاهية الدعم. فكلّ التحية للشيخ محسن ناصر القشم، وكلّ التقدير لكل من آمن بأن الثقافة ليست رفاهيةً تُذكَر بعد النسيان،

بل هي أصلُ كلّ شيءٍ يُذكر ويُبنى ويُحيى.

— التدوينة القادمة: مراحل تكوين المنتدى – من الفكرة إلى المؤسسة.