الإعلام الأموي الجديد الوجوه تتغير والمنهج واحد

الإعلام الأموي الجديد الوجوه تتغير والمنهج واحد

د.عيسى الموسوي

في كل عام، ومع حلول شهر محرم الحرام، تتسع رقعة المجالس الحسينية، وتزداد المواكب، وتتدفق جموع الزائرين إلى كربلاء من كل بقاع الأرض، في مشهد إيماني وإنساني قلّ نظيره في العالم. وكلما ازداد هذا الحضور، ازدادت في المقابل حملات التشويه والتضليل التي تستهدف الشعائر الحسينية.

وكأن هناك من يضيق صدره بمشهد الدموع التي تُسكب حباً للحسين عليه السلام، ويغتاظ من فطرة الناس التي تدفعهم إلى الوفاء والتضحية ونكران الذات، فيسارع إلى فتح غرفٍ إعلامية معتمة، وإطلاق حملاتٍ ممنهجة تُدار من خلف الشاشات، هدفها تشويه هذه الشعائر والنيل من قيمتها في نفوس الناس.

وفي كل موسم، تتكرر المشاهد ذاتها؛ آلاف الصفحات الوهمية، وجيوش إلكترونية، وأقلام مأجورة، ومتثقفين باعوا ضمائرهم وارتضوا أن يكونوا عبيداً للمال، يكتبون من خلف لوحات المفاتيح وشاشات الهواتف رسائل متشابهة وكأنها خرجت من غرفة عمليات واحدة.

فتقرأ أحدهم يكتب: “الحسين عَبْرة مو قيمة وآخر يقول: توزيع الأموال على الفقراء أفضل من إقامة المواكب والطبخ”، وثالث يهاجم خدمة الزائرين ورابع يكتب البارحة شفت بنية بالموكب تأخذ ارقام، وخامس يسخر من المجالس الحسينية، حتى تبدو التعليقات وكأنها نُسخ مكررة تحمل المفردات نفسها والأسلوب نفسه والغاية نفسها.

ولست أستغرب من هذه الحملات، لأنها ليست جديدة، بل هي امتداد لنهجٍ قديم في التضليل وتزييف الوعي وصناعة الأكاذيب.

فالإعلام الأموي لم يكن مجرد ناقل للأخبار، بل كان أداة لتشويه الحقائق وصناعة الرواية التي تخدم السلطة. فقد عمل على تصوير الإمام الحسين عليه السلام لأهل الشام بأنه خارجٌ على الدين، ومارقٌ عن الجماعة، وخارجٌ على إمام زمانه، وروّج أنه يستحق القتل والتمثيل بجسده، في الوقت الذي صوّر فيه يزيد على أنه الحاكم الزاهد وحامل راية الإسلام وأمير المؤمنين.

وبفعل هذا التضليل الإعلامي، انخدع كثير من الناس، حتى أصبحت الأكاذيب عندهم حقائق، وتحولت الدعاية إلى عقيدة يتبناها الجاهلون.

واليوم، وبعد أكثر من أربعة عشر قرناً، لا تزال الأدوات تتغير لكن المنهج واحد. فبدلاً من المنابر التقليدية، حضرت المنصات الرقمية، وبدلاً من الرواة ظهر أصحاب الحسابات الوهمية، وبدلاً من الرسائل الورقية جاءت المنشورات والتغريدات والمقاطع القصيرة، لكن الهدف بقي ثابتاً: التشكيك بالحسين عليه السلام، والاستهزاء بشعائره، ومحاولة إضعاف ارتباط الناس بقضيته.

ومع ذلك، فإن التاريخ يكرر جوابه كل عام.

فكلما اشتدت حملات التشويه، ازدادت المجالس الحسينية حضوراً، واتسعت المواكب، وتعاظمت أعداد الزائرين، حتى تتحول كربلاء إلى قبلة لملايين القلوب التي جاءت من مختلف اللغات والألوان والجنسيات لتعلن ولاءها للإمام الحسين عليه السلام.

وهنا تكمن المفارقة العجيبة؛ فبينما ينفق أصحاب هذه الحملات الأموال والجهود في التخطيط والتشويه واستئجار الأقلام المأجورة والجيوش الإلكترونية، يكون الرد الحقيقي مشهداً مهيباً لا تستطيع الشاشات حجبه ولا المنشورات تشويهه: ملايين البشر تسير نحو كربلاء حباً بالحسين عليه السلام.

ولهذا، فإنني أشفق على أولئك الذين يظنون أن تعليقاً ساخراً أو منشوراً مضللاً أو حساباً وهمياً قادر على إطفاء نورٍ بقي متقداً أكثر من ألف وأربعمائة عام.

لقد سقطت دول، وتبدلت عروش، واختفت أسماء حكام وإمبراطوريات، بينما بقي اسم الحسين عليه السلام حاضراً في ضمير الإنسانية، تتوارثه الأجيال، وتخلده القلوب قبل الكتب.

إنها معركة الوعي في مواجهة التضليل، ومعركة الحقيقة في مواجهة الكذب، ومعركة الدمعة الصادقة في مواجهة الحملات الممولة.

وسيظل الإعلام المأجور يكرر محاولاته، وستظل الجيوش الإلكترونية تمارس دورها، لكن النتيجة التي يثبتها التاريخ عاماً بعد عام واحدة لا تتغير:

يحاولون تشويه الحسين… فيزداد الحسين حضوراً في القلوب. ويحاولون إطفاء نوره… فيزداد النور انتشاراً.