
التورية الثقافية وتمثلات النسق المضمر في المجموعة القصصية (تجاعيد الغياب) لدكتورة القاصة سامية غشير
التورية الثقافية وتمثلات النسق المضمر في المجموعة القصصية (تجاعيد الغياب) لدكتورة القاصة سامية غشير
أ.د زينب لوت
تخصص نقد حديث ومعاصر
الجزء الأول
يمنحُ النص القصصي (تجاعيد الغياب) للكاتبة والأكاديمية الجزائرية (سامية غشير)جمالية لرؤية العوالم الإنسانية، حيثُ تكتب القاصةُ مجاورة للجمالية التركيبية والأنساق الثقافية المضمرة، بشاعرية اللّغة وشعرية النص القصصي، تفكك أقاليم الوقائع والواقع حيث ترسم رحلتها بين رفوف الوجود، تكتنزُ صورا مكثفة للتجارب والمشاعر والعُمق الشعوري أمام قضايا الوطن والإنسان.
يكشفُ مضمون الخطاب على ثنائية البُعد المضمر للدلالات العالقة في النموذج الجمالي “و في مصطلح التورية نجد الإزدواج الأساسي حول بعدين دلاليين أحدهما قريب و الآخر بعيد و هذا منطلق مهم جدا للنقد الثقافي غير أن الخلل يأتي من أن المفهوم التقليدي للتورية يشير صراحة إلى أن المقصود هو المعنى البعيد”[ – عبد الله الغذامي ،النقد الثقافي، ص.70]يرى (الغذامي) أن مصطلح (التّورية) مكاشفة الخطاب الأدبي في بنيته العميقة والسطحية حسب ما تحملُ من وظائف التأليف و التفاعل للفعل الثقافي.
تكشف مجموعة (تجاعيد الغياب) لسامية غشير عن حضور لافت للتورية الثقافية، سواء على مستوى العناوين أو داخل المتن السردي، حيث تتوارى خلف اللغة الشعرية أنساق ثقافية مرتبطة بالحرب والوطن والهوية والاغتراب والحلم العربي المنكسر.
يبدو عنوان المجموعة (تجاعيد الغياب) للوهلة الأولى وصفًا لحالة وجدانية مرتبطة بالفقد، غير أن دلالته الثقافية أعمق من ذلك؛ إذ توحي كلمة (تجاعيد) بتراكم الزمن وآثاره، بينما يحيل (الغياب) إلى الفقد والاقتلاع والحرمان. وهكذا تتولد تورية ثقافية تجعل الغياب رمزًا لواقع عربي مثقل بالحروب والانكسارات، فيتحول العنوان إلى اختزال رمزي لنسق ثقافي قائم على الخسارة الجماعية.
تحملُ المجموعة القصصية ثلاثة عشر قصة تتشكل عبر محطات تجمع بين الحضور الفاعل والغياب المفتعل توظف العامل النفسي بين الذات والآخر أو تصور الذات للآخر أو حالة تصوير الآخر في الذات ثنائيات متعددة ومشفرة داخل المتن:
1. تجاعيد الغياب
يحمل العنوان نسقًا ثقافيًا مضمرًا عن الحلم العربي حيث تكتب: (الحلم العربي تلك الأمنية والأغنية وتجملت بها الألحان كانت مجرد همسات متناثرة تعبر عن الجُرح الذي نخر الخوالج إلى درجة الهوس، كان حلما ذابلاً يصور أفول الروح وتلاقح الألم بأساطير العروبة) ص.07، فالعبارة توظف تورية ثقافية تجعل (الحلم العربي) رمزًا لمشروع جماعي فقد قدرته على التحقق. فالمعنى الظاهر يحتفي بالحلم، بينما يكشف المعنى المضمر عن خيبة تاريخية عاشها الإنسان العربي.
تناجي بحبكتها الفنية عوالم الألم والأسى حين هاجر الطفل (قصي) من الحرب الأهلية السورية نحو الجزائر لاجئا من ويلات الدمار النفسي والجسدي، يصادفُ (بهاء) وهو لاجئ ليبي في سؤال مصيري( ما مصير أوطاننا؟) ص.09، فالتجاعيد أثر زمني يتركه العمر على الجسد، بينما الغياب حالة معنوية. هذا التداخل بين المادي والمعنوي يوحي بأن الغياب ليس حدثًا عابرًا، بل تجربة وجودية تترسبُ آثارها العميقة في الذات والمجتمع. ومن ثم يضمر العنوان نسقًا ثقافيًا مرتبطًا بالفقد والذاكرة والحرمان.
وتتأكد هذه الدلالة في قولها: (حلمنا العربي صار بعيدًا كالسراب) ص.07، إذ يتحول السراب إلى علامة ثقافية على استحالة الوصول إلى الحلم. وهنا يتوارى النسق السياسي خلف صورة شعرية توحي بانهيار آمال الوحدة والاستقرار والنهضة.
كما يتجلى نسق الحرب من خلال شخصية الطفل السوري (قصي) الذي فرّ من جحيم الحرب الأهلية السورية. فالشخصية لا تؤدي وظيفة سردية فحسب، بل تتحول إلى رمز ثقافي للإنسان العربي المهجر. وتزداد فاعلية التورية الثقافية في قول الشخصية: (الحرب لسعت أرواحنا، شردتنا، يتمتنا) ص.09، حيث تتجاوز الحرب معناها العسكري المباشر لتصبح رمزًا لكل أشكال التمزق التي أصابت المجتمعات العربية.
وفي موضع آخر يقول (قصي): (بلداننا تحترق وتنزف صيحات رفض وتمرد) ص.09. فاحتراق البلدان هنا لا يقتصر على الدمار المادي، بل يحيل إلى احتراق القيم والذاكرة والانتماء، وهو ما يكشف عن نسق ثقافي مضمر يقوم على نقد الواقع العربي الذي أنتج الهجرة والفقد والتشرد.
إنّ التفاعل بين العناوين والمتن السردي يتضح أن الكاتبة تبني عالمها القصصي على مجموعة من الأنساق المضمرة أهمها: نسق الحرب، ونسق الوطن الضائع، ونسق الاغتراب، ونسق الحلم المؤجل. وقد استطاعت تمرير هذه الأنساق عبر لغة إيحائية ورمزية تعتمد التورية الثقافية وسيلة لإخفاء المعنى النقدي خلف صور شعرية وإنسانية مؤثرة.
التورية الثقافية في مجموعة (تجاعيد الغياب) ليست مجرد تقنية أسلوبية، بل هي أداة ثقافية للكشف عن الأزمات العميقة التي يعيشها الإنسان العربي، حيث يتحول الغياب إلى رمز للفقد الجماعي، ويتحول الحلم إلى مرآة تعكس واقعًا مأزومًا يطغى عليه التهجير والحرب والانكسار.
2.قصة: في انتظار حلم الثورة
يكشف العنوان عن نسق ثقافي سياسي واجتماعي يقوم على التطلع إلى التغيير تكتب القاصة ( كانت عائشة المرأة الحالمة ذات الخامس والأربعين عاما تحب الكتابة كانت تسبح في بياض الورق لتكتب خواطرها الحالمة عن الثورة ذلك الحلم الذي بنيناه بحمرة إيماننا ، ورويناه بصبرنا وتجلدنا توقف ولم يعد قادرا على المقاومة) ص.11 هي كاتبة تحاول أن ترسخ وطنيتها بعد اغتيال زوجها ( إلياس) حيث تقول( أردت عبر كتاباتي أن أغير شيئا غير أن محاولاتي لم تفلح) ص.14 فعكفت على تربية ابنتها (نور) واختيار الأسماء هو مقصدية فنية للكاتبة (سامية غشير) تشكلُ تنظيما دلاليا استباقي لقراءة المتلقي النور مسار للحرية ، النور بصيرة للإنسان، النور نهاية للعتمة، النور كسر للظلام ، النور نهاية للغياهب والضياع،. فالثورة هنا ليست حدثًا سياسيًا فقط، بل حلمًا مؤجلًا. والتورية الثقافية تتجلى في الانتظار الذي يحيل إلى واقع عربي تتعثر فيه مشاريع التحرر والتغيير.











