
علبة صفيح تُسقط الاتهام .. كيف سطر الدفاع ملحمة قادت لبراءة المتهم
علبة صفيح تُسقط الاتهام .. كيف سطر الدفاع ملحمة قادت لبراءة المتهم
في عالم المحاماة والقضاء الجنائي، لا يمثل الدفاع مجرد حضور شكلي، بل هو فن وعلم يستهدف حماية الضمانات الدستورية التي كفلها المشرع للمواطنين. وفي واحدة من أروع الملاحم القانونية التي شهدتها محكمة جنايات الإسكندرية (الدائرة 38 الجنائية)، تجلت عبقرية الدفاع الأصيل ممثلاً في الأستاذ أحمد راغب المحامي بالنقض، والأستاذ محمود أحمد راغب المحامي بالاستئناف العالي. حيث استطاعا تفكيك اتهام معقد بجناية حيازة جوهر الحشيش المخدر بقصد الإتجار، لينقذا المتهم من براثن عقوبة غليظة، وينتزعا له حكماً تاريخياً بالبراءة المطلقة، كاشفين عن بطلان الإجراءات التي بنيت عليها القضية برمتها؛ من جنحة سرقة تائهة إلى تفتيش وقائي جائر.
بحسب ما سطره ضابط الواقعة في محضره، إلى أنه وبناءً على تحريات سرية أجراها، توصل إلى اشتراك المتهم في واقعة سرقة محررة عنها الجنحة رقم 23129 لسنة 2025 جنح سيدي جابر. وبناءً على هذه التحريات المنفردة، ادعى الضابط إعداد كمين للمتهم وضبطه. وزعم أنه أثناء إجراء “تفتيش وقائي” للمتهم تمهيداً لاصطحابه للقسم، عثر بين طيات ملابسه على “علبة صفيح مغلقة”، وبفضها وجد بداخلها قطعة لجوهر الحشيش المخدر وزنت قائماً 18.70 جراماً، وزعم مواجهة المتهم الذي أقر له بحيازتها بقصد الإتجار.
أمام هذا السيناريو التفتيشي الذي يبدو متكاملاً في ظاهر الأوراق، دخل فريق الدفاع رفيع المستوى المعركة القانونية بوعي ثاقب. لم ينشغل الدفاع بمناقشة حيازة المخدر في حد ذاتها كبداية، بل ركزا جهودهما على شرعية الإجراءات وضوابطها الدستورية، إدراكاً منهما للقاعدة القانونية الذهبية: “ما بُني على باطل فهو باطل”.
وقد فجّر دفاع المتهم أمام المحكمة حزمة من الدفوع الجوهرية الممنهجة التي زلزلت أركان الاتهام:
بطلان القبض والتفتيش لعدم جدية التحريات في جنحة السرقة: حيث أثبت الدفاع أن زعم الضابط باشتراك المتهم في السرقة لا سند له في الأوراق، ولم يؤيده أي دليل مادي، كما أن المجني عليه في جنحة السرقة لم يوجه أي اتهام للمتهم، مما يقطع بعدم جدية التحريات وبطلان القبض بناءً عليها.
الدفع الجوهري الأبرز (تجاوز حدود التفتيش الوقائي): جادل الدفاع ببراعة بأن الضابط -حتى لو صح وجود تفتيش وقائي- فقد تجاوز حدوده القانونية بشكل صارخ حينما قام بفتح “علبة الصفيح المغلقة”.
كيدية الاتهام وتلفيقه وانفراد الضابط بالشهادة: وحجبه لباقي أفراد القوة المرافقة له عن الإدلاء بشهادتهم لحجب الحقيقة عن المحكمة.
لقد تلاقت الدفوع القانونية الرصينة التي ساقها الأستاذان أحمد ومحمود راغب مع العقيدة المستقرة لهيئة المحكمة الموقرة برئاسة المستشار عبد الجواد يسن حسن، وعضوية المستشارين عصام محمد خليفة وخالد سعد الدين الشيخ. فجاءت أسباب الحكم بمثابة نصر ساحق لقيم الحق والحرية، وتبنت المحكمة المبادئ التي صاغها الدفاع:
انعدام الأثر القانوني للتحريات في جنحة السرقة: أكدت المحكمة أن التحريات لا تعدو أن تكون سوى رأي لصاحبها يخضع لاحتمالات الصحة والبطلان، ولما كانت الأوراق قد خلت تماماً من دليل يقيني يعزز اشتراك المتهم في جنحة السرقة، فإن القبض عليه يضحى باطلاً ولا سند له.
ضوابط التفتيش الوقائي وحرمة فتح المغلقات (مربط الفرس): هنا تجلت ثمرة الدفع العبقري للدفاع؛ حيث سطر المحكمة في أسبابها أن “التفتيش الوقائي هو إجراء يستهدف به تجريد المقبوض عليه مما عسى أن يحمله من أسلحة أو آلات قد يستخدمها في الاعتداء، وهو مشروط بألا يتعدى حدود الغرض منه”. وأضافت المحكمة أن قيام الضابط بفتح “علبة من الصفيح” كان إجراءً باطلاً، إذ لا يُتصور عقلاً أن تحتوي علبة صفيح مغلقة على سلاح يهدد سلامة الضابط! وبالتالي، فإن فتح العلبة يعد تفتيشاً استكشافياً باطلاً وقع في غير أحوال التلبس ودون إذن نيابة، مما يبطل معه ضبط المخدر تَبَعاً.
الخلاصة بفضل هذه الرؤية القانونية المبدعة والجسارة في الطرح، استطاع الأستاذ أحمد راغب المحامي بالنقض والأستاذ محمود أحمد راغب المحامي بالاستئناف العالي إسقاط أدلة الاتهام تباعاً؛ فبطلان التحريات أنقذ المتهم من شبهة جنحة السرقة، وبطلان التفتيش الوقائي (بفتح علبة الصفيح) عزل دليل إدانة جناية المخدرات تماماً واعتبره كأن لم يكن كونه “ثمرة شجرة خبيثة باطلة”.
لتنتهي القضية بصدور الحكم التاريخي العادل: “حكمت المحكمة حضورياً ببراءة المتهم من الإتهام المسند إليه ومصادرة الجوهر المخدر المضبوط” بجلسة الأربعاء 10 يونيو 2026.
يظل هذا الحكم شاهداً عيان على أن رسالة المحاماة حينما يخلص لها رجال يمتلكون أدوات المعرفة والعمق القانوني كالأستاذين أحمد راغب ومحمود راغب، تصبح حائط الصد المنيع الذي تتهشم عليه كافة الاتهامات الباطلة، لتظل راية العدالة وحرية المواطن مصونة فوق كل اعتبار.
رفعت للتصميم













