«أنا وهي وهيا»

بقلم الكاتبة غادة فطوم .. سورية

سلبتني تلك الحرب شعورًا أغرقني بين متاهات الاستمتاع وعدمه. منذ عام 2013 لم أشاهد أي عمل درامي لعدة أسباب أنا بغنى عن ذكرها الآن.

 

«أنا وهي وهيا» تابعتُ العمل بدايةً بدقة متناهية وبكل إصغاء؛ بدايةً كمشاهِدة، ثم متلقّية تتقاسم الأوجاع مع كل شخصية، ثم قارئة تدوّن المشاهد حسب تأثيرها ولوائع نفسي. وها أنا يأخذني ذلك الحوار، وربما كان بين كل حوارٍ حواراتٌ كثيرة. هنا تتعلم كيف تُبنى شخصية الفنان، وأيضًا كيف تتجرّد عن ذاتها لتعود إلى الطبيعي أو إلى ما هو غير الطبيعي. متناقضات حياتية لا يمكن اكتشافها إلا من خلال نص مكتوب بحرفية، ومعالج بطريقة درامية، ومصقول بفنية مدهشة، وحبكة أسلوبية شيّقة تترك لك حرية النقاش مع ذاتك قبل مناقشة الآخرين.

 

بعيدًا عن كل البشاعة التي عشناها ونعيشها والتي لم يكن لنا أي يدٍ فيها، كان الفنان الإنسان إياد أبو الشامات قد أضاء على لوحة تمتد على مساحة كبيرة، وربما على ساحة وطن، وتخطّت لتقنعك أن الأسرة، والتي هي نواة البناء المجتمعي، هي أساس الوجود وهي أرومة الوجود.

 

تسلّل هذا العمل إلينا بكل سلاسة دون أن يحفّز مشاعرنا بالتدفّق السلبي، بل كان تدفّقه إيجابيًا يتراوح بين أنا الشخصية، وأنا الحوار، وأنا التي يجب أن تكون. بعيدًا عن الحروب وبعيدًا عن التاريخ، ها نحن نقف على مفترق طرق؛ مفترق يجعل من إنسانيتنا أكثر نضجًا وتطورًا بمنهجية واقعية لا ابتذال فيها ولا تجاوزات لأي طرحٍ عبر الشاشة الزرقاء. كل فنان شارك في العمل ترك لنا بصمة وجدانية، وهذه البصمة لم تأتِ من فراغ، بل من خلال مراحل تطور الفنان على الصعيد المهني والأداء ومصادقة الكاميرا.

 

ليس سهلًا أن تصادق الكاميرا وتصبح هي من أسرتك التي تعتز بها وتقتدي بها، محاولًا أن تعطي أجمل ما لديك، إضافةً إلى مصادقة ذاتك التي تسعى إلى قمة الفرح والألم معًا. فالكاميرا تصبح الأم والأب والابن والابنة ومحيطك الموجود فيه، وكلٌّ له شروطه في الأداء والإمتاع. عملٌ مصاغ بدقة متناهية. لن أتحدث عن عناوين الحلقات التي أمتعتنا على مدى ثلاثين يومًا،

 

بل سأتحدث عن روح المسرح، تلك الروح التي تخطّت في عالمها حياتنا، وهي لا يمكن فصلها عن مسرح الحياة الكبير. نعم، هي مسرحية كبيرة نعيشها. وربما كان إدخال المسرح في العمل قد أدى إلى خلق بنى جديدة، وهذه البنى تعطيك أن الدراما مسرح، والمسرح دراما، ولا يمكن فصلهما إلا حين يشتعل بنا المسرح ويعيدنا إلى حقيقتنا الإنسانية البحتة من خلال عمل فني بسيط بطرحه، عميق بنهجه، ومؤثر حدّ الدهشة بما ترك من أثر نتيجة متابعة كل فنان من خلال تلك الشاشة ومن وراء الكاميرا التي صادقها وفرض عليها أن نتكيف مع تبدلاته على الصعيد الفردي والفني والإبداعي.

 

إذا أردنا أن نتحدث عن كل أسرة جعلت من حبكة العمل مشوّقة، فإنها تعطيك النتيجة نفسها حين تتحول بالكاميرا إلى أسرة أخرى، فتجد أن التقاطعات بين الأفراد تصب في الوعاء نفسه، وفي الوجع والفرح والحزن والتشتت والضياع نفسه. لكن هناك صيغة مشتركة هي أن قيمة الإنسان هي العليا من خلال تعامل الأب «باسل خياط» مع بناته بحب دفاق وعاطفة أبوية جعلتنا نعيد ونكرر ذاتنا بتعاملنا مع أطفالنا، وكأنه امتداد لوالده تيسير إدريس. لكن تختلف العاطفة وطريقة المعاملة باختلاف الطرح، وتتكشف وجدانيته وحبه لوالده. الابن باسل خياط حين فقده أدرك أن ما كان يقدمه له كان قمة الأبوة الإنسانية بإخلاصه لإرثٍ تركه غير الأموال، بل زوجته وفاء موصللي. شعرتُ بالسكينة لوجود الابن الذي يكمل مسيرة والده دون تردد، لكن بعد فقده، وكأن العمل يعطينا رسالة لنا جميعًا أننا لا ندرك قيمة الشخص إلا بالفقد.

 

يسير عمل كل فنان على خط تصاعدي، ولم يكن أي فنان يستطيع صعود درجاته حتى النهاية ويصل إلى القمة دون عناء، بدراسة وتقنية وفنية واضحة. ولم يكن تسليط الضوء على المسرح إلا مفتاحًا أعطانا الكثير من الإضاءة على أوجاع خشبة المسرح ومن يصعد تلك الخشبة. فالوقوف على الخشبة ليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى نزيف وجهد كبير حتى يقال عنك ابن مسرح وفنان يستحق ذلك اللقب. المسرح هو من يصنع النجم. كل هذه التداعيات كان كفاح الخوص سيد الموقف وسيد المسرح حين جعلك تدخل إلى تفاصيل وأوجاع كل فنان صعد الخشبة وأُحبط مرات ومرات ثم ارتقى، وهذا ما أكدته ترف التقي حين أصرت أن تكون على الخشبة ونجحت، لكنها ما زالت تسعى لأكثر من ذلك.

 

«أنا وهي وهيا» أعطانا من ذاتنا الكثير، وجعلنا نعيد إنتاجها ونجدد أرواحنا، لكن بعد أن نرمي كل ما هو سلبي. فحوار الطفلتين «روسيل» و«اليز» كان حوارًا وجدانيًا، منه تعلمنا كيف يكون الحب بين أفراد الأسرة، وكيف نعيد ألق الحب بحديث وجداني خفي، قمة في الحوار والنضج في أسرة أصابها المرض وأدركت الشفاء في اللحظة الأخيرة.

 

ولم تكن تاج حيدر، العائدة بقوة إلى الشاشة الزرقاء، قد غيرت من طبيعة الأنثى الرقيقة الطموحة التي تسعى لأن تكون هي نفسها، المرأة الإنسانة والزوجة التي تسابق الجميع لتثبت شخصيتها وأمومتها بذكاء واضح. وهذا إن دلّ فإنما يدل على المرأة الطموحة التي تفتش عن نفسها محاولةً أن تحافظ على مبادئها الأسرية مع كل تبدلاتها العاطفية، والتي كانت قد أفرغتها مع دكتور التجميل لجين إسماعيل، والذي جمّل حياتها حين اقتحمها بلحظة فراغ وضعف.

 

«أنا وهي وهيا» أعطانا عدة نماذج نسائية: المرأة اللعوب القوية رهام قصار التي أبدعت في دورها، والمرأة المراقِبة الطفيلية التي تنقل أخبار الجوار سوسن ميخائيل، والمرأة المغلوب على أمرها لكنها قبلت بكل أخطاء الماضي نادين خوري، والمحبة التي أعطت حياتها لأسرة أقحمتها في حياتها وفاء موصللي.

 

مضافًا إلى ذلك المجتمع النسائي، مجتمع الفنانين الذين يحاولون أن ينهضوا بالمسرح أو ينهضوا بفنهم؛ فمنهم من سعى إلى العالمية لكنه لم يفلح، ومنهم من بقي صامدًا، ومنهم من كان يعيش أوجاع الفن والمسرح كفاح الخوص.

 

العمل بكل ما طرحه كان الأقرب إلى أوجاعنا، حتى لو ازداد عاطفة تائهة مغيّبة، وهذا إن دل فإنما يدل على ما يجري معنا كمجتمع نحاول أن نفتش عن هويتنا بزحمة المدبلج الذي اقتحم حياتنا وتهنا بها ومعها.

غادة فطوم