اللَّيْلُ الَّذِي يَخْلَعُ مِعْطَفَهُ

اللَّيْلُ الَّذِي يَخْلَعُ مِعْطَفَهُ

فِي آخِرِ الْمَقْهَى،

حِينَ كَانَ اللَّيْلُ

يَخْلَعُ مِعْطَفَهُ الْأَسْوَدَ

عَلَى أَكْتَافِ الْمَدِينَةِ،

جَلَسْتُ أَعُدُّ

خَسَارَاتِي الصَّغِيرَةَ

كَمَا يَعُدُّ مُقَامِرٌ عَجُوزٌ

بَقَايَا نُقُودِهِ الْأَخِيرَةِ.

قُلْتُ لِلنَّادِلِ:

لَا تُطْفِئِ الْمُوسِيقَى…

فَبَعْضُ الْقُلُوبِ

تَمُوتُ إِذَا سَمِعَتْ

صَوْتَ الْحَقِيقَةِ وَاضِحًا.

أَنَا رَجُلٌ

تَعَلَّمَ مِنَ الشَّوَارِعِ

أَنَّ النَّجَاةَ مُؤَقَّتَةٌ،

وَأَنَّ الْأَرْصِفَةَ

تَعْرِفُ أَسْمَاءَ الْحَزَانَى

أَكْثَرَ مِنْ أُمَّهَاتِهِمْ.

كُلُّ الَّذِينَ مَرُّوا بِي

تَرَكُوا فِي رُوحِي

نَافِذَةً مَفْتُوحَةً،

يَدْخُلُ مِنْهَا الْبَرْدُ

كُلَّمَا تَذَكَّرْتُ

أَنَّ الْحُبَّ

لَمْ يَكُنْ سِوَى

حَرْبٍ نَاعِمَةٍ.

يَا صَدِيقِي…

نَحْنُ لَا نَكْبُرُ حَقًّا،

نَحْنُ فَقَطْ

نُتْقِنُ إِخْفَاءَ ارْتِجَافِ أَرْوَاحِنَا،

وَنَضْحَكُ بِصَوْتٍ أَعْلَى

كَيْ لَا يَسْمَعَ أَحَدٌ

انْكِسَارَ الدَّاخِلِ.

كَمْ مَرَّةٍ

صَافَحْتُ الْهَزِيمَةَ

كَأَنَّهَا امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ،

وَعُدْتُ مِنْهَا

أَكْثَرَ تَعَبًا،

وَأَشَدَّ تَعَلُّقًا

بِفِكْرَةِ الضَّيَاعِ.

أُرِيدُ حَيَاةً

لَا تَسْأَلُنِي

عَنْ مَعْنَى الِاتِّزَانِ،

حَيَاةً تَرْكُضُ

حَافِيَةً تَحْتَ الْمَطَرِ،

وَتَنَامُ فِي حِضْنِ الْقَصَائِدِ،

وَتُوقِظُ قَلْبِي

كُلَّمَا أَوْشَكَ

أَنْ يَتَحَوَّلَ

إِلَى حَجَرٍ.

دَعْنِي أَرْتَكِبُ جُنُونِي

كَامِلًا…

فَالْعَالَمُ هَذَا

بَارِعٌ فِي تَعْلِيمِنَا

كَيْفَ نَبْدُو عُقَلَاءَ،

لَكِنَّهُ فَاشِلٌ

فِي تَعْلِيمِنَا

كَيْفَ نَكُونُ أَحْيَاءَ.

أَنَا لَا أَخَافُ الْهَاوِيَةَ،

بَلْ أَخَافُ

أَنْ أَمُرَّ مِنَ الْعُمْرِ

دُونَ أَنْ أَشْتَعِلَ،

دُونَ أَنْ أُحِبَّ

حَتَّى التَّلَاشِي،

وَدُونَ أَنْ أَتْرُكَ

فِي هَذَا اللَّيْلِ الطَّوِيلِ

أَثَرَ أُغْنِيَةٍ

تَقُولُ:

هُنَا مَرَّ رَجُلٌ

كَانَ قَلْبُهُ

أَوْسَعَ مِنْ نَجَاتِهِ.

 

بقلم الشاعر 

مؤ يد نجم حنون طاهر 

العراق