
أعرفُ امرأةً
أعرفُ امرأةً
تسندُ البلاد كلّما مالت
بكتفٍ واحد
لا ينهار.
تمشي،
وفي يدها ما يكفي
لتبقي الجهّات واقفةً:
قليل قمح،
أصوات صغار،
وغبار طريق
لم يعتدِ الرّجوع.
وحين تنطفئ البيوت
كما لو أنّها تتذكّر التّعب،
تجلس عند حافّة نفسها،
ويستقرّ الجوع قربها
بهدوءِ طفل
نسيَ الطّريق إلى الاسم.
في المساء
لا تنام المدن
بل تُطفئ ضوءها فحسب،
وهي تبقى وحدها
تُعدّ ما تبقى من الجهّات
في صدر ضيق.
كان في عينيها
عطشٌ لا يطلب ماءً،
بل أثر يدٍ
تمسح عنه السّؤال.
وقدماها
تعرفان الأرض أكثر من الذّاكرة،
تجرّانها
كأنّ العمر
مجرّد حصى لا ينتهي.
إلى نبع
يشرب منه الجميع
وتبقى هي على الضّفّةِ الأخرى
تُحصي ارتدادَها في الماء.
ثمّ تعود،
وفيها نهرٌ لا يُرى:
شوكةٌ في الحلق،
وبردٌ في كفّ الّذين لم يطرقوا بابًا.
كانت تزن الطّحين
في القماش،
كأنّها تخفي النّهار
من عيون الفقد.
وتعجنه
بما تبقّى من الغيم،
وبما سرّبته دمعة
لم تكتمل.
وحين يرتفع قليلًا
لا تفرح،
بل تتركه يتعلّم الوقوف
قبل أن يؤكل.
كان هناك رجل
يمرّ كلّ صباح
كأنّه يجرّ خلفه
بلادًا صغيرةً من الوعد.
ثمّ لم يعد…
لم يترك سوى اتّجاه
لا يصل.
ومنذ ذلك اليوم
إذا مرّت ريح
التفتت إلى الباب
كأنّ الباب يعرف الاسم.
وإذا نبح صوت بعيد
تقدّم الغياب خطوةً
داخل صدرها.
لكن اللّيل
لا يعود كما يذهب،
يعود أثقل،
أكثر ازدحامًا
بأرامل لا يتكلّمن.
كلّما ضاقتِ الأرض
اتّسعتْ بقدر كفّها،
وكلّما انكسر الضّوء
خاطته بخيط لا يرى.
لم تكن تطلب كثيرًا:
لا بيتًا أطول من ظلّها،
ولا عمرًا يشبه الزّيادة.
قالت فقط:
دعوا هذه البلاد
تتذكّر قلبها،
ودعوا الأطفال
لا يستيقظون جائعين من النّوم.
ثمّ سكتت…
لكن البلادَ
لم تتعلّمِ الصّمت بعدها،
صارت تتكلّم بصوتها،
وتتعثّرُ كلّما حاولتِ النّجاةَ منها.
والرّعاةُ
ما زالوا يشربون من جرارها
ويمرّون
كأنّ شيئًا لم يخلق كي يبقى.
وهي..
ما زالت هناك،
لا في مكانٍ محدّد،
بل في فراغ يشبهها:
امرأةً
كلّما ضاق العالم
اتّسعتْ قليلاً،
حتّى صار الوطن
مجرّد احتمالٍ
في قلبها.
بسام المسعودي











