ذاتَ حَربٍ قالَ لي

ذاتَ حَربٍ قالَ لي: 

في آخرِ اللّيلِ

حينَ تُطفِئُ المدينةُ

أعصابَها المُتعبَة

أراكِ تمشينَ

بينَ صَفاّراتِ الإنذارِ

كأنّكِ أغنيةٌ

نَجَتْ من القصفِ.. 

أحببتُكِ

في زمنٍ

كانتِ الخرائطُ فيهِ

تَرسُمُ الحدودَ بالبارود.. 

والقلوبُ

تتعلّمُ لُعبَةَ الغمّيضاء

وتُتقنُ فَنَّ الاخْتباء

أكثرَ مّما تتعلّمُ إيقاعَ النّبضِ.. 

وكنتِ تقولين:

“الحُبُّ نجاةٌ “

وكنتُ أقولُ:

“الحربُ أسرعُ منّا.”

ثمّ نمشي معًا

فلا تنتصرُ الحربُ

ولا يكتملُ الحُبُّ.. 

وفي الشّوارعِ

الّتي فقَدَتْ أسماءَها

كُنّا نُوزِّعُ الضَّحِكاتِ

مثلَ خبزٍ يتيمٍ

ونسرقُ دقيقةَ دِفءٍ

من بردِ الرّجاءِ

وحينَ سقطَ البيتُ

بقيَ صوتُكِ يتردَّدُ

فوقَ الغيومِ

مثلَ قمرٍ

يرفضُ الهجرةَ

ويُعاندُ الانْزياح.. 

الجنودُ يعبرونَ

والدّبّاباتُ تتركُ

آثارَها الثّقيلةَ

لكنَّ يدَكِ الصّغيرةَ

كانتْ تكفي

لترميمِ قلبي

كلَّ مساء.. 

أيُّها الحُّبُ

يا آخرَ ما تَبَقّى

في هٰذه الأرض

كيف استطَعْتَ

أنْ تنمُوَ

بين الحديدِ والنّار؟

ويا أيّتُها الحربُ

يا آلةَ الخرابِ والدّمار

لماذا

كلما أطلقْتِ رصاصةً

أزهرَتْ قُبلةَ طُهرٍ وعفافٍ؟

وفي الصّباحِ

حينَ تستفيقُ السّماءُ

على دخانٍ جديدٍ

كنتِ تمسحينَ جبينَ الضّجيجِ بمنديلِ السّكينةِ

كهدوءِ أمٍّ

تعرفُ أنّ الحياةَ صراعٌ مِن أجلِ البقاء

ونضالٌ حتّى الفناء..

قلتِ لي:

“لا تخَفْ”

حين كان الخوفُ

أكبرَ من نافذتِنا

وأعلى من قرميدِنا

وأعظمَ مِنٍ شجاعتِنا

وأوسعَ مِنَ المدينة.. 

وكانَ صوتُكِ

 لا يُضَيِّقُ المسافةَ

بين قلبي والنّجاة.. 

كنّا نكتبُ أسماءَنا

على جُدرانٍ أنهكَتها ارتجافاتُ جداراتِ الصّوتِ

وعويلُ صَمتِ المَوتِ 

لا لِنُخَلِّدَ الحُبَّ

بل لنؤكّدَ للتّاريخِ

أنّنا كُنّا هُنا.. 

وفي اللّيلِ

حينَ تنامُ البنادقُ قليلًا

كنتُ أسمعُ قلبَكِ

يخفقُ بجانبي

كأنّهُ وطنٌ صغيرٌ

لا تصلُ إليهِ

المدافعُ.. 

أَوَتعلمينَ يا حبيبتي 

أنَّ الحربَ لا تكرَهُ أحدًا 

وأنّها عادلةٌ 

تجيدُ توزيعَ الخراب والموتِ والعذاب؟! 

لكنَّ الحبَّ

عنيدٌ مثلكِ

لا ينكسرُ

وحينَ تنتهي

كلُّ هٰذه الفوضى، إنِ انتهَتْ، 

سنمشي يا حبيبتي

في شارعٍ عارٍ مِنَ الخوفِ 

ونبتسمُ

لأنّنا نَجَوْنا

بالمُعجِزةِ

وبعضِ الحُبِّ.. 

أيا حبيبتي

ألا تلاحظين؟

أنّ بينَ الحُبِّ والحَربِ

حرفٌ زائدٌ…

لكنَّهُ يكفي

ليُشعلَ مدينةً

أو يُطفِئَ قَلبًا

حرفٌ صغيرٌ

إذا سقطَ

بنى حضارة

وإنِ اقتحمَ غضَبًا

صارَ تخلُّفًا ودمارا؟ 

ما أغربَ اللّغةَ!

كلّما اقتربْتُ منكِ

أحاولُ

أنْ أحذِفَ ذٰلك الحرفَ

عن شفتَيكِ

عساني أُعيدُ للِعالَمِ

صورتَهُ الأُولى:

يدٌ تُمسِكُ يدًا

وليسَ بندقيّةً تضغَطُ على الزّناد.. 

نعم يا حبيبتي.. 

بينَ الحُبِّ والحَربِ

حرفٌ صغيرٌ لكنّه أثقلُ من دخانِ المدنِ

وأقسى من نحيبِ الثّكالى وأهْوَلُ من رُعبِ الأطفال.. 

حرفٌ مُدمِّرٌ

فعلٌ لا يُقال.. 

إذا تسلّلَ إلى القلوب

أشعلَ الحدود

وإذا غابَ 

ازدهرتِ الأرصفةُ

وعادَ الأطفالُ

إلى اللّعبِ..

فحبّذا

لو أسقطَ العالَمُ

ذٰلك الحرفَ! 

لو محاهُ

من لغتهِ..ِ 

من ذاكرتِه.. 

من تاريخِه

من قاموسِهِ

لَكانَ عمَّ السّلامُ

الّذي لا يصنعُهُ

إلّا الحُبُّ. 

عايدة قزحيّا

“أزاهيرُ حرفٍ”