امرأة بلا ندبة

امرأة بلا ندبة

 

كانت ناجحة بطريقة لا تُثير الشّفقة ولا الدّهشة.

مكتبها في الطّابق العاشر،

زجاج واسع يطلّ على مدينة تتظاهر بالحركة.

فنجان قهوتها ثابت في مكانه كلّ صباح،

لا يسقط،

لا يبرد أكثر مما ينبغي.

كانت تضحك في الوقت المناسب،

تتحدّث بثقة موزونة،

وتغلق يومها كما يُغلق كتاب بلا علامة.

النّاس يحبّون القصص الثّقيلة.

يحبّون أن يعرفوا من أيّ كسرة خرجت.

يسألونها دائمًا، بنبرة مغطاة بالفضول:

“وأنتِ… ماذا مررتِ به؟”

كانت تبتسم.

تمرّ بأصابعها على شعرها،

وتجيب بإجابات قصيرة،

نظيفة…

كأن حياتها قميص لم يُغسل بالدّمع قطّ.

في المساء،

عادت إلى بيتها،

وضعت حقيبتها على الطّاولة،

خلعت حذاءها كما تخلع يومًا بلا أثر.

رنّ هاتفها.

رسالة واحدة.

رابط قصير.

وجملة:

“هذا صوتكِ، أليس كذلك؟”

جلست على طرف الأريكة.

ضغطت.

خرج الصّوت من السّماعة كنافذة فُتحت فجأة في غرفة مغلقة.

كان صوتها…

لكن أعمق.

أدفأ.

مخدوشًا قليلًا عند الحواف.

يتحدّث عن حبٍّ انتهى بلا وداع.

عن حقيبة لم تُفتح في محطّة أخيرة.

عن ليلةٍ نامت فيها على أرض المطبخ

لأنّ قلبها لم يحتمل السّرير.

كان الصّوت يتنفّس ببطء،

كأنّ كلّ كلمة تُنتزع من صدرٍ يعرف الفقد.

تجمّدت يدها فوق الهاتف.

لا مطبخ نامت فيه باكية.

لا حقيبة مرتجفة.

لا رجل غادرها تاركًا الهواء مثقوبًا.

حياتها لم تُكسَر هكذا.

ومع ذلك…

الصّوت لم يكن تمثيلًا.

كان حقيقيًا لدرجة أنّ عينيها امتلأتا دون سبب.

استمعت مرّة أخرى.

ركّزت على التّفاصيل:

تلك الوقفة القصيرة قبل كلمة “غادر”،

ذلك الشّرخ الخفيف في حرف الرّاء،

الزّفير الّذي بدا كأنّه خرج من تحت ماء.

هذا ليس أداءً.

هذا اعتراف.

في اليوم التّالي،

وجدت التّسجيل منتشرًا.

النّاس يكتبون:

“هذا الألم يشبهني.”

“أخيرًا أحدهم قال ما شعرتُ به.”

“شكراً لأنّكِ لم تتظاهري بالقوّة.”

توقّفت أمام المرآة.

تفحّصت وجهها بعناية،

بحثت عن أثر ندبة،

عن انحناءة لم تنتبه لها من قبل.

لم تجد شيئًا.

كانت بشرتها هادئة.

عيناها مستقرّتين.

تاريخها بلا عاصفة.

وفجأة…

شعرت بخفّةٍ مزعجة.

كأنّها لم تُختبر بما يكفي.

كأنّ حياتها عبرت السّنوات دون أن تصطدم بجدار.

كأنّها نجت من كلّ شيء…

إلى درجة أنّها لم تعِش شيئًا حقًا.

في اللّيل،

أعادت تشغيل الصّوت.

أطفأت الأنوار.

جلست على أرض المطبخ.

تركت البلاط البارد يلامس ساقيها،

تخيّلت حقيبة عند الباب،

نافذة مفتوحة على مدينة بعيدة.

همست مع التّسجيل:

“لماذا تركتني هكذا؟”

ارتعش صوتها.

للحظة…

شعرت بجرحٍ يولد.

صغير.

شفاف.

لكنّه حقيقي.

وفهمت.

لم يكن التّسجيل ذكرى ضائعة.

لم يكن ماضيًا منسيًّا.

كان احتمالًا لم تعشه.

نسخةً أخرى منها…

امرأة أحبّت حدّ الكسر،

وبقيت.

ذلك الصّوت لم يكشف ألمًا حدث،

بل كشف شجاعة لم تجرّبها.

جلست طويلًا في العتمة،

وهي تسمع نفسها تبكي في التّسجيل.

ثمّ ابتسمت.

لأوّل مرّة،

لم تغرْ من امرأة أخرى،

بل غارت من تلك الّتي في الصّوت.

وفي الصّباح،

حين وقفت أمام النّافذة في الطّابق العاشر،

لم تكن المدينة هي الُتي تغيّرت.

كان في صدرها شيء جديد…

فراغ صغير،

يشبه مكانًا ينتظر عاصفة.

وربّما،

للمرّة الأولى،

لم تعد تخاف أن تنكسر.

بقلم داليا السبع