يا الله

يا الله

من فضلِك

أوقفْ قليلاً موتَ الشُّعراء

إنَّهم ليسوا أشدَّ النّاسِ ذنوباً

وإن كانوا أشدًّهم جموحاً في الخيال

لقد خلقتَهم هكذا يا الله

جامحين في الخيالِ، حيثُ يتبعُهم الغاوون

ويتبعُهم الَّذين لم يجدوا لمسةَ الرّأفةِ على أكتافِهم

ويتبعُهم المرضى والمحبُّون والمسعفون

أوقفْ قليلاً موتَ الشُّعراءِ يا الله

حتّى لا تفسدُ الأرضُ أكثرَ بغيابِهم

وحتّى لا تعتّمُ السّماءُ بأرواحِهم المعلَّقةِ على قصائدِهم

انتظاراً للبعثِ أو للوحي يملي عليهم المزيدَ من القصائد

أوقفْ قليلاً موتَ الشُّعراءِ يا الله

نحن نحتجاهم لتفسيرِ الارتيابِ في الأرجانون

وفي القِصَّةِ العُظمَى للخَلْق

إنَّهم خالقون أيضاً

بتأويلِ المزهريّاتِ والتّلالِ الرَّمليةِ واللّوغاريتماتِ والدّموع

وبالسَّفرِ المُضني إلى حوافِّ اللّيلِ والنّهار

وإلى المنبعِ الَّذي جاءَ منه كلُّ شيءٍ حيّ

فأوقفْ قليلاً موتَ الشُّعراءِ يا الله

إنَّهم ليسوا جميعاً طَرَفَةَ ابنَ العبدِ حين قال:

“فَإِن كُنتَ لا تَسطيعُ دَفعَ مَنيَّتي

فَدَعني أُبادِرها بِما مَلَكَت يدي”

لا شيءَ في أيدي الشُّعراءِ يا الله لدفعِ المَنيَّة

ولا قصائدهم

ستكونُ المرجعَ الأعلى لحسابِهم

إنَّهم بشرٌ يا الله

يحلمون ويحبُّون ويخطئون ويسكرون ويرقصون ويحزنون

فأوقفْ موتَهم يا الله

ليعودَ كلٌّ منهم إلى بيتِه

ليتناولَ وجبتِه بين زوجتِه وأولاده

أو ليقضي وقتاً طيّباً مع الرَّيح

رخيَّةً كانت أو عاصفةً أو مسَّها اللّهبُ من أفئدتِهم

أوقفْ موتَ الشُّعراءِ يا الله

أوقفْ موتَهم

ليطمئنَ البشرُ على أنَّ بينهم

مَن سيحرِّضُ على رؤيةِ الخيالِ شارداً ومدخِّناً بشراهة

ليخرجَ البشرُ من النّظامِ القاسي ليومِهم

الشُّعراءُ مغبونون يا الله

فلا تميتهم قبلَ أوانِ العدالةِ في الشّجرةِ وارفةً

وفي النَّهرِ يتدفّقُ وفي الجبالِ أقماعَ سُكَّرٍ وإن كانت رواسيَ للأرض

أوقفْ موتَ الشُّعراءِ يا الله على الأرض

وأوقفْ صعودَ أرواحِهم إلى السَّماء

نحن نريدُهم بيننا يا الله

مجانينَ وفاجرينَ ومختالينَ وصارخين

نريدُهم بيننا محتجِّينَ ومنشدينَ ومرتِّلينَ وأصحابَ أجسادٍ نازفة

نريدُهم يا الله

كما نريدُ الحبَّ والصّحّةَ والمالَ والبنينَ والفردوسَ والغفران

أوقفْ قليلاً موتَ الشُّعراءِ يا الله

حتّى نعرفَ قبلَ موتِنا ماذا يعني الغفران

في وجوهِهم أو في قصائدِهم

أو في مخيِّلةٍ هي وحدُها يا الله

ما يأتي بالحياةِ والرَّحمةِ والحبِّ والغفران.

 

إبراهيم المصري