
يا بني… لا تجعل الخوفَ وطنًا
يا بني،
الخوفُ حارسٌ قديم، وُلد في أعماقنا ليقول: «احذر»، فلا تجعله يكبر حتى يصير صوتًا يقول: «لا تجرؤ».
خُذ من الخوف يقظته، ولا تمنحه مفاتيح روحك؛ فالحارس إذا تجاوز عتبته صار سجّانًا، والقفص قد يكون من أفكارٍ لا تُرى.
لا أريدك شجاعًا لأنك لا تخاف، بل لأنك تعرف خوفك، وتضعه في حجمه، ثم تمضي. فالشجاعة ليست قلبًا من حجر، بل قلبًا يرتجف ولا يتراجع.
وإذا واجهت خطرًا، فخذ بالأسباب؛ وإذا واجهت مجهولًا، فأشعل مصباح المعرفة؛ وإذا واجهت فشلًا، فحوّل سقوطك إلى درجة.
وكثيرٌ من الوحوش التي تسكننا ليست إلا ظلالًا صنعها الخيال.
قال المتنبي:
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ
فلا تجعل عزمك رهينةً لرجفةٍ عابرة.
يا بني،
بعض المخاوف لا تولد معنا؛ بل تُزرع فينا:
«ستفشل… لا تجرب… ماذا سيقول الناس؟»
ثم تكبر الكلمات حتى تصبح جدرانًا داخلية نسكنها وننسى أننا نحن الذين بنيناها.
احترم من يحبك، واستمع إلى النصيحة، وتمسّك بقيمك؛ لكن لا تسلّم الآخرين مقود حياتك. فالناس يتحدثون إن نجحت وإن أخفقت، إن تقدمت وإن توقفت؛ أما العمر، فلن يعيشه أحدٌ عنك.
وقال أبو القاسم الشابي:
ومن يتهيبْ صعودَ الجبالِ
يعشْ أبدَ الدهرِ بين الحُفَرْ
فلا تجعل رهبة الطريق قبرًا لأحلامك.
ولا تخف من الفشل؛ فقد يكون الفشل محراثًا يشق في الروح أرضًا جديدة. قد تسقط، لكن لا تجعل التراب يقنعك بأنك خُلقت لتبقى عليه.
أما الغد، فخطّط له ولا تسكن فيه؛ فالتخطيط خريطة، والقلق أن تحدّق في الخريطة حتى تنسى المشي.
وكما قال المتنبي:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ
لكن اجعل مغامرتك بصيرةً لا تهورًا؛ فالطائر لا يثبت حريته بكسر جناحيه.
يا بني،
الحرية ليست أن تكسر كل الحدود، بل أن تختار بوعي، وتتحمل ثمن اختيارك.
كن جريئًا بلا تهور، مستقلًا بلا جحود، حرًا بلا فوضى، واستمع إلى الآخرين دون أن تفقد صوتك الداخلي.
وقد قال مانديلا:
«الشجاع ليس من لا يشعر بالخوف، بل من ينتصر على ذلك الخوف.»
فلا تقتل خوفك؛ روّضه.
لا تنكره؛ افهمه.
لا تهرب منه؛ ضعه في مكانه.
ليكن خوفك حارسًا على الباب، لا مالكًا للبيت؛ بوصلةً لا سجنًا؛ جرسًا لا قيدًا.
وإذا أظلم الطريق، فأشعل معرفتك.
وإذا تعثرت، فاجعل من الحجر درجة.
وإذا جاءك المجهول، فاستقبله بسؤال.
وإذا جاءك الخوف ذات ليلة، فقل له:
«أعرف أنك هنا… لكنك لن تقرر عني.»
ثم ارفع رأسك، وافتح الباب، وامضِ…
فربما كانت الخطوة التي أخّرك عنها الخوف،
هي نفسها العتبة التي خلفها العمر الذي كنت تنتظره.
د. زبيدة الفول.
من سلسلة:( يا بني )
رفعت للتصميم












